نبيل بن حيدر البلوشي
حين نتحدث عن تطوير السياحة، لا يكفي أن نقول إن البلد يملك شواطئ جميلة أو مواقع تاريخية أو طبيعة متنوعة؛ فهذه المقومات موجودة في دول كثيرة، وما يحدد نجاح الوجهة هو قدرتها على تحويل تلك المقومات إلى تجارب واضحة وسهلة الحجز، ثم الوصول بها إلى السائح في الأسواق العالمية.
من هنا تبرز أهمية التعاقد مع شركات سياحية عالمية تمتلك خبرة في إدارة الوجهات وتسويقها. فهذه الشركات لا تقدم الإعلان فقط، بل تملك علاقات واسعة مع شركات الطيران والفنادق ومنظمي الرحلات ومنصات الحجز. كما تعرف كيف تقرأ أسواق السفر، وتحدد الفئات الأكثر اهتمامًا بالسياحة الثقافية أو الشاطئية أو البيئية أو العلاجية أو سياحة المؤتمرات والمغامرات.
والأهم من ذلك أن الشركة العالمية تستطيع مساعدة البلد على تحويل المواقع والمعالم إلى منتجات سياحية قابلة للبيع؛ فالموقع الأثري، مهما بلغت قيمته، لن يجذب أعدادًا كبيرة من الزوار إذا لم تصاحبه قصة واضحة، ومرشدون مؤهلون، ومرافق مناسبة، وبرنامج زيارة منظم. وقد يحتاج أيضا إلى مطاعم وأسواق للحرف والمنتجات المحلية، وفعاليات تجعل الزيارة تجربة متكاملة لا مجرد جولة سريعة والتقاط بعض الصور.
لكن العلاقة مع الشركات العالمية لا ينبغي أن تقتصر على توقيع عقد تسويقي ينتهي بانتهاء الحملة. من المفيد أن تدرس الدولة، إلى جانب التعاقد، إمكانية الاستثمار في هذه الشركات أو الدخول معها في شراكات استراتيجية، سواء من خلال صندوق سيادي أو شركة استثمار وطنية أو مشروع مشترك مع مستثمرين محليين. فهذا النوع من الشراكة يجعل للدولة مصلحة مباشرة في نجاح الشركات العالمية، ويفتح لها باب الاستفادة من أرباحها وخبراتها وشبكاتها الدولية، بدل أن تبقى مجرد عميل يشتري خدمة محددة.
ومع ذلك، فإن امتلاك حصة في شركة عالمية لا يعني تلقائيا امتلاك حق القرار. فالأمر يعتمد على حجم الحصة وشروط اتفاقية المساهمين وحقوق التصويت. لذلك يجب أن تصمم الشراكة بعناية، وأن تضمن للطرف الوطني تمثيلا في مجلس الإدارة وحق المشاركة في القرارات التي تمس الوجهات السياحية والعلامة الوطنية والاستثمارات الكبرى واستخدام البيانات ويمكن أيضا تحديد مجموعة من القرارات الاستراتيجية التي لا تتخذ من دون موافقة الشريك الوطني.
وتزداد قيمة هذه الشراكة عندما ترتبط بأهداف واضحة داخل البلد. فالمطلوب ليس زيادة عدد الزوار فقط، بل خلق وظائف حقيقية، وتدريب المواطنين، ونقل المعرفة، وإشراك الشركات الصغيرة في سلسلة القيمة السياحية؛ فالفنادق والمطاعم والنقل والمرشدون والحرفيون ومنظمو الفعاليات جميعهم جزء من هذه الصناعة، ولا ينبغي أن تذهب معظم عوائدها إلى الخارج بينما يظل المجتمع المحلي متفرجا عليها.
كما يمكن للشراكة أن تعزز ثقة المستثمرين الأجانب. فوجود شركة معروفة وخطة واضحة لإدارة الوجهة يعطي المستثمر إشارات إيجابية حول حجم الطلب المتوقع وجودة التشغيل. وقد يشجع ذلك على إنشاء فنادق ومنتجعات ومراكز مؤتمرات ومرافق ترفيهية، وعلى الاستثمار في النقل والخدمات المرتبطة بالسياحة.
لكن هذه الخطوة تحتاج إلى حذر وحوكمة. فالاعتماد الكامل على شركة واحدة قد يضعف قدرة الدولة على إدارة قطاعها كما أن خروج معظم الإيرادات إلى خارج الاقتصاد المحلي يقلل من الأثر الحقيقي للسياحة. لذلك يجب أن تحتفظ الدولة بملكية علامتها الوطنية وبياناتها وأصولها الاستراتيجية وقرارها التنظيمي، وأن تتجنب منح امتيازات احتكارية طويلة من دون مراجعة.
ومن الأفضل أن تبدأ التجربة في مدينة أو منطقة واحدة تمتلك مقومات واضحة، ثم تقاس نتائجها قبل تعميمها. وتشمل مؤشرات النجاح: عدد الزوار، ومتوسط مدة الإقامة، وحجم إنفاقهم داخل البلد، وعدد الوظائف التي أُنشئت للمواطنين، ونسبة المشتريات من الموردين المحليين، وقيمة الاستثمارات التي جرى جذبها، ومستوى رضا السكان والزوار.
في النهاية، لا يكمُن الهدف في امتلاك حصة مالية في شركة سياحية عالمية فحسب، بل في بناء نفوذ وخبرة وشبكات تعود فائدتها على البلد لسنوات طويلة. فالشركة العالمية تستطيع أن تفتح الأبواب وتسرع الوصول إلى الأسواق، لكن الدولة هي التي يجب أن تحدد هويتها السياحية وتحمي مصالحها وتضمن مشاركة مجتمعها. وعندما تجتمع الخبرة العالمية مع الهوية المحلية والحوكمة الجيدة، يمكن أن تتحول السياحة من نشاط موسمي إلى صناعة مستدامة تخلق الوظائف، وتجذب الاستثمارات، وتبني علامة وطنية قادرة على المنافسة.
** خبير اقتصادي
