كيف يمكن لعُمان تحويل الجغرافيا إلى قوة اقتصادية؟ (1-2)

 

 

 

 

أ.د. وائل زكريا الصاوي الشنهابي **

 

ليس كل ما يحدث في البحر يبقى في البحر، قد تبدأ القصة بسفينة تُغيِّر مسارها، أو شركة تأمين ترفع تكلفة التغطية، أو ناقلة تنتظر دورها للعبور، لكن النهاية قد تصل إلى مصنع بعيد، ومستودع ينتظر شحنة، ومتجر يبحث عن سلعة، ومستهلك يدفع سعرًا أعلى.

هكذا أصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي على الخريطة.

إنه اليوم اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد العالمي على التعامل مع الأزمات، واختبار أكثر خصوصية لقدرة سلطنة عُمان على تحويل موقعها الجغرافي من مجرد حقيقة جغرافية إلى ميزة اقتصادية وإدارية استراتيجية.

وتزداد أهمية هذا السؤال في الوقت الراهن مع استمرار اضطراب حركة الملاحة في المضيق؛ فقد أظهرت بيانات حديثة أن عدد سفن السلع التي عبرت المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة بلغ 17 سفينة فقط، مقارنة مع 37 سفينة في الأسبوع السابق، وبمتوسط كان يصل إلى نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يومياً قبل اندلاع الحرب.

لكن السؤال بالنسبة لعُمان ليس فقط: ماذا يحدث في هرمز؟ السؤال الأهم هو: ماذا تستطيع عُمان أن تفعل عندما يتغير العالم من حولها؟

تتميز عُمان بموقع جغرافي استثنائي؛ فهي تطل على بحر عُمان وبحر العرب، وتمتلك موانئ تمتد من الشمال إلى الجنوب، أبرزها صحار والدقم وصلالة. لكن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع اقتصادًا قويًا. الموقع يصبح قيمة اقتصادية عندما تتحول الموانئ إلى مراكز متكاملة للتجارة والصناعة والتخزين والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير. وهنا تحديدا تظهر أهمية الإدارة الحديثة؛ فالميناء الذي يستقبل السفن فقط يؤدي وظيفة تقليدية. أما الميناء الذي يستطيع أن يتنبأ بحركة التجارة، ويوجه البضائع، ويختصر زمن التخليص، ويربط البيانات بالمخازن والمناطق الصناعية والأسواق، ويقدم بدائل سريعة عندما تتعطل إحدى طرق التجارة، فهو جزء من اقتصاد ذكي ومرن. وهذه هي النقلة التي تحتاجها الاقتصادات الحديثة.

ولعل ميناء صحار يقدم مثالا واضحا على ذلك؛ فمع اضطرابات حركة التجارة والطاقة، أصبحت الموانئ العُمانية جزءا من ترتيبات لوجستية جديدة في المنطقة. ووفق تقرير حديث لرويترز، يجري استخدام ميناء صحار في عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى، مع توقعات بمرور نحو 60 مليون برميل من النفط السعودي عبر هذه العمليات خلال شهري سبتمبر وأكتوبر.

هذه الأرقام ليست مجرد أرقام نفطية. إنها رسالة إدارية واقتصادية مهمة؛ فالموانئ التي تمتلك القدرة على الاستجابة السريعة للمتغيرات تصبح أصولًا استراتيجية في أوقات الأزمات.

والأهم أنَّ الأمر لا يتعلق بصحار وحدها.

وإذا كان صحار يمثل بوابة مهمة في شمال السلطنة، فإنَّ الدقم وصلالة يمكن أن يؤديا أدوارًا متكاملة في بناء شبكة لوجستية أكثر مرونة. وهنا يجب أن نغير طريقة التفكير. بدلًا من أن نسأل: أي ميناء هو الأفضل؟ ربما يكون السؤال الأكثر أهمية: كيف نجعل صحار والدقم وصلالة تعمل كشبكة لوجستية واحدة؟

فالقوة ليست بالضرورة في الميناء المنفرد، وإنما في تكامل الموانئ والطرق والمناطق الاقتصادية والمخازن والجمارك والخدمات الرقمية.

وهذا التوجُّه يتسق مع جهود السلطنة في تطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية؛ فمركز عُمان اللوجستي يعمل ضمن استراتيجية عُمان اللوجستية 2040 بهدف تعزيز موقع السلطنة كمركز لوجستي إقليمي وعالمي، وزيادة مساهمة القطاع في الاقتصاد، ورفع حصة عُمان من حركة البضائع المتجهة إلى المنطقة.

والأمر اللافت أن التطورات الحالية بدأت بالفعل في دفع المنطقة نحو البحث عن طرق بديلة؛ فالممر اللوجستي بين الشارقة وعُمان، الذي بدأ تشغيله في مايو 2026، سجل خلال الأشهر الثلاثة الأولى حركة بضائع بقيمة نحو 1.7 مليار درهم، مع أكثر من 34 ألف حركة شاحنة و32 ألف بيان جمركي. كما يربط الممر التدفقات التجارية بموانئ صحار والدقم وصلالة. وهنا تظهر قاعدة إدارية شديدة الأهمية: البديل الذي يتم بناؤه بعد وقوع الأزمة يكون مكلفًا، أما البديل الذي يتم بناؤه قبل الأزمة فيصبح ميزة تنافسية. وهذا هو جوهر إدارة المخاطر.

والإدارة التقليدية تنتظر الأزمة ثم تتحرك. أما الإدارة الحديثة فتبدأ قبل ذلك بكثير. إنها تسأل: ماذا لو ارتفعت تكاليف الشحن؟ ماذا لو تغير مسار السفن؟ ماذا لو تأخرت المواد الخام؟ ماذا لو ارتفعت تكلفة التأمين؟  ماذا لو تغيرت أسواق التصدير؟  وماذا لو استمر الوضع لعدة أشهر؟ 

وهذه الأسئلة لا تعني التشاؤم؛ بل تعني الاستعداد؛ فالمدير الناجح في البيئة الاقتصادية الجديدة ليس بالضرورة من يستطيع حل أكبر عدد من المشكلات، وإنما من يستطيع اكتشاف المشكلة قبل أن تصبح أزمة. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي؛ ففي الماضي، كان المدير يعتمد على الخبرة والتقارير الدورية. بينما اليوم يمكنه أن يحصل على صورة أكثر شمولا في الوقت نفسه. بيانات حركة السفن، أسعار النفط، تكاليف الشحن، أسعار التأمين، مستويات المخزون، أداء الموردين، تغيرات الطلب، أسعار السلع.

كل هذه البيانات يمكن تحليلها باستخدام الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات لإنتاج سيناريوهات تساعد صانع القرار. فإذا ارتفعت تكلفة الشحن بنسبة معينة، ما تأثير ذلك على تكلفة المنتج؟ وإذا تأخر مورد رئيسي، فمن البديل؟ وإذا تغير مسار التجارة، فأي ميناء يمكن أن يستوعب التدفقات الجديدة؟ وإذا ارتفع الطلب على سلعة معينة، هل تستطيع المخازن والموانئ وشركات النقل الاستجابة؟

هنا لا يحل الذكاء الاصطناعي محل المدير؛ بل يجعل المدير أكثر قدرة على رؤية المستقبل المحتمل.

** أستاذ إدارة الأعمال

جامعة البريمي (سلطنة عُمان)- جامعة بورسعيد (مصر)

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z