عبدالله سعيد الحبسي **
في الأزمات الأمنية، ينجذب الرأي العام بطبيعته إلى السؤال الأكثر مباشرة: متى سيكون الرد؟ لكنَّ الدول لا تقاس قدرتها فقط بسرعة الرد، بل بجودة اللحظة التي تُقرر فيها إن كان الرد مطلوبًا، وما شكله، وما أثره بعد الساعة الأولى واليوم الأول والأسبوع الأول.
وإعلان المملكة العربية السعودية أنها آثرت عدم الرد في هذه المرحلة على استهداف خط شرق- غرب، لإتاحة المجال أمام الحكومة العراقية لاتخاذ الإجراءات اللازمة، يُمثل حالة تستحق القراءة من منظور إدارة الأزمات لا من زاوية القوة العسكرية وحدها.
ضبط النفس لا يعني إسقاط حق الدولة في الدفاع عن نفسها، كما أنه لا يعني تجاهل الهجوم. البيان السعودي كان واضحًا في الاحتفاظ بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السيادة والأمن والمنشآت. الفرق هو بين امتلاك القدرة على الرد وبين الشعور بأنَّ استخدامها الفوري هو الخيار الوحيد.
هذه المساحة بين الحدث والقرار هي واحدة من أهم المساحات في إدارة الأزمات؛ ففيها يجري التحقق من مصدر الهجوم، وتقدير نية الخصم، وفهم الأطراف المتداخلة، وتقييم احتمالات التكرار، واحتساب أثر أي رد على الأمن الوطني والإقليمي. كلما زادت تعقيدات البيئة المحيطة، أصبحت هذه المساحة أكثر قيمة.
والمشهد العراقي يضيف طبقة من التعقيد؛ فالقول إن مسيّرات انطلقت من أراضٍ عراقية ليس مساويًا للقول إن الدولة العراقية اتخذت قرار الهجوم. هذا التمييز جوهري في العلاقات الدولية وفي إدارة المخاطر. الدولة قد تواجه داخل حدودها جهات مسلحة أو شبكات لا تتحرك وفق قرارها المباشر، والمطلوب منها في المقابل إثبات قدرتها على منع استخدام أراضيها للاعتداء على الدول المجاورة.
من هنا جاء إعطاء بغداد فرصة للتحرك. إذا نجحت الحكومة العراقية في تحديد المسؤولين ومنع تكرار الهجمات، فإنَّ ذلك يحقق جزءًا من الهدف الأمني من دون توسيع دائرة المواجهة. وإذا فشلت، تصبح خيارات أخرى متاحة في سياق مختلف وأكثر وضوحًا.
هذه المقاربة مهمة لأنَّ أحد أخطر أخطاء إدارة الأزمات هو السماح للخصم بتحديد إيقاع القرار. بعض الهجمات لا تستهدف المنشأة وحدها، بل تستهدف دفع الدولة إلى رد سريع يوسع الصراع أو يفتح جبهة جديدة. وعندما يصبح الرد متوقعًا آليًا بعد كل استفزاز، فإن صاحب الاستفزاز يكتسب قدرة غير مباشرة على التحكم بجزء من جدول الطرف الآخر.
الدولة الأقوى هي التي تحتفظ بالمبادرة. قد ترد، وقد تؤجل، وقد تستخدم الدبلوماسية أو الإجراءات الأمنية أو الاقتصادية أو الاستخباراتية. المهم ألا يصبح شكل الاستجابة مفروضًا عليها من طبيعة الاستفزاز نفسه.
ولا يعني ذلك أن التأخير مفتوح إلى ما لا نهاية. ضبط النفس الفعال يحتاج إلى شروط: أن تكون هناك قناة سياسية قادرة على نقل المطالب، وأن تكون هناك مؤشرات عملية على تحرك الدولة التي انطلق منها التهديد، وأن يستمر رفع مستويات الحماية، وأن تبقى القدرة على الرد قائمة إذا تكرر الهجوم.
هذه هي إدارة الأزمة بمعناها الحقيقي. ليس الهدف إظهار الهدوء، بل منع حادث أمني من سحب الدولة إلى مسار لا يخدم مصالحها. وفي منطقة عرفت كيف يمكن لحادث واحد أن يتوسع إلى سلسلة من ردود الأفعال، تصبح القدرة على المُحافظة على مساحة القرار إحدى أدوات الأمن القومي.
القوة ليست فقط أن تستطيع الضرب عندما تريد، القوة أيضًا أن تستطيع الانتظار عندما يخدم الانتظار هدفك أكثر.
** كاتب وباحث متخصص في الأمن والتراث وإدارة المخاطر وغرف العمليات
