د. خالد بن علي الخوالدي
لا أبالغ إذا قلت إنه يقع في كل يوم عشرات الضحايا ويظهر في نفس الوقت مئات النصابين وبوجوه مختلفة وطرق وأساليب متطورة، ونحن سكان هذه البسيطة خاصة في عُماننا الحبيبة لازال يوجد عندنا من يقع في المصيدة، رغم كل ما نعيشه اليوم من تطور تقني وانفتاح معرفي وسرعة هائلة في تداول المعلومات والتحذيرات، وشخصيا أستغرب وأتعجب عندما أسمع قصة مع هؤلاء النصابين.
استغرابي وتعجبي في محله وهو واقعي جدًا؛ فنحن في عام 2026 ولسنا في بدايات التعامل مع الهواتف الذكية أو الخدمات المصرفية الإلكترونية، لقد سمعنا عشرات القصص وشاهدنا عشرات التحذيرات وقرأنا مئات من الرسائل التوعوية، وتناقلنا في المجالس ومواقع التواصل الاجتماعي حكايات أشخاص خسروا أموالهم ومدخراتهم بسبب مكالمة هاتفية أو رابط إلكتروني أو رسالة مجهولة، ومع ذلك لا تزال الأساليب نفسها تنجح ولا يزال المحتال يجد من يصدقه ويمنحه بكل سهولة معلومات يفترض أنها في غاية السرية.
يتصل بك شخص ويدعي أنه موظف في البنك، ويخبرك بأنَّ بطاقتك المصرفية انتهت أو أنَّ حسابك سيتوقف أو أن هناك تحديثا عاجلا لبياناتك، ثم يبدأ بطلب رقم البطاقة أو بيانات الحساب أو رمز التحقق (OTP) الذي وصل إلى هاتفك، والمثير للاستغراب أن البعض ينساق معه خطوة بعد أخرى حتى يمنحه المفتاح الذي يحتاجه للوصول إلى حسابه وأمواله.
وهنا يجب من كل واحد منَّا أن يتوقف مع هذا كله ويتساءل بينه وبين نفسه، لماذا يحتاج موظف البنك إلى رمز التحقق الخاص بنا ولماذا يطلب منا بيانات يفترض أنها موجودة أصلا لدى البنك، وإذا انتهت بطاقاتنا المصرفية فهناك إجراءات وقنوات رسمية معروفة لتجديدها، وليس عبر مكالمة مجهولة تطلب منَّا كشف أسرارنا المصرفية.
والأمر لا يقف عند الاحتيال البنكي فهناك الابتزاز الإلكتروني والروابط المشبوهة والرسائل التي تغريك بجائزة أو خدمة أو عرض استثنائي، وهناك روابط تطلب منك إدخال رقم هاتفك ثم تكتشف لاحقًا أنك اشتركت في خدمات مدفوعة وبدأت مبالغ غير متوقعة تظهر في فاتورتك، وهنا أيضا تبرز مسؤولية شركات الاتصالات في حماية المستهلك وتوضيح الاشتراكات المدفوعة بشفافية وعدم السماح بتفعيل خدمات أو خصم مبالغ إلا بعد موافقة واضحة وصريحة لا تحتمل اللبس.
والحقيقة أن كثيرًا من المُحتالين يمكن كشفهم منذ اللحظات الأولى، من طريقة الحديث والاستعجال والضغط النفسي وطلب المعلومات السرية والتهديد بإيقاف الحساب أو مُحاولة إقناع الضحية بأن الأمر لا يحتمل التأخير، كلها إشارات واضحة تقول لنا انتبهوا هناك من يحاول الاحتيال عليكم.
وهنا لا نلقي اللوم والمسؤولية على المؤسسات وحدها فالمسؤولية تبدأ منا، لذا علينا أن نرفع مستوى الوعي داخل أسرنا وأن نحذر أبناءنا ووالدينا وإخواننا وأصدقاءنا، خصوصًا من قد لا تكون لديهم خبرة كافية بالتقنيات الحديثة وأساليب الاحتيال المتجددة، وعلينا أن نكرر التحذير مهما بدا لنا الأمر بديهياً، لأنَّ المحتال لا يبحث عن الجميع؛ بل يبحث عن شخص واحد يصدقه.
لا تعطي رمز التحقق لأحد ولا تكشف بياناتك المصرفية ولا تضغط على رابط مجهول ولا تجعل الخوف أو الطمع أو الاستعجال يقودك إلى قرار قد تندم عليه طويلاً، وبعد كل هذه القصص والتحذيرات والتجارب التي نسمع عنها يوميًا، من المؤلم أن نقول إن النصابين ما زالوا ينجحون، والأكثر إيلامًا أنَّ بعض أساليبهم لم تتغير كثيرًا وإنما الذي يتغير هو الضحية، فانتبهوا وحذروا من تحبون لأنَّ أفضل وسيلة لإفشال سوق النصابين ليست معرفة كل حيله؛ بل ألّا نمنحهم منذ البداية فرصة ليخدعونا.
ودُمتم ودامت عُمان بخير.
