صالح البلوشي
كانت وجهتنا الأخيرة في العراق هي مدينة النجف الأشرف؛ مدينة العلم والعلماء التي تحتضن واحدة من أقدم وأشهر الحوزات العلمية في العالم الإسلامي، والتي أسسها محمد بن الحسن الطوسي الملقب بـ«شيخ الطائفة»، بعد انتقاله إليها من بغداد حوالي عام 448هـ. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الحوزة العلمية في النجف قبلة لطلاب العلم من مختلف البلدان، ولا تزال تؤدي دورها العلمي والفكري حتى يومنا هذا.
ولم يقتصر دور حوزة النجف على الجانب العلمي والديني فحسب، بل كان لها حضور سياسي واجتماعي بارز في تاريخ العراق الحديث، ولا سيما في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، وفي مراحل سياسية لاحقة شهد فيها العراق تحولات كبرى، وصولًا إلى مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003.
وتكتسب النجف أهمية خاصة أيضًا لوجود مرقد الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- فيها، حيث يفد إليه الملايين من المسلمين طوال العام، كما تضم كذلك مقبرة وادي السلام، التي تعد من أكبر المقابر في العالم، إلى جانب المعلم الشهير المعروف بـ«بحر النجف».
ولا أخفي على القارئ دهشتي عندما سمعت للمرة الأولى عن وجود «بحر» في النجف، وتساءلت: من أين جاء هذا البحر في بيئة صحراوية كهذه؟ وبعد القراءة عنه، وجدت أن بحر النجف ليس بحرا بالمعنى المعروف، وإنما منخفض طبيعي واسع يضم بحيرة وأراضي رطبة تقع إلى الغرب والجنوب الغربي من المدينة، وتشير بعض المصادر إلى أن مساحته كانت في الماضي أكبر بكثير مما هي عليه اليوم.
وصلنا إلى المدينة قرب وقت الظهيرة، وتناولنا غداءنا -الكباب العراقي الشهير- في أحد مطاعمها الشعبية.
وبعد استراحة قصيرة اتجهنا نحو النجف القديمة، وعندما لاحت لنا القبة الذهبية لمرقد الإمام علي، حضرت في الذاكرة بعض أبيات الشعر، فالنجف مدينة الشعر والشعراء، ومن منا لا يعرف أو لم يتذوق شعر محمد مهدي الجواهري، الذي ينتمي إلى أسرة نجفية علمية عريقة، إلى جانب أحمد الصافي النجفي، والشيخ محمد رضا الشبيبي، وعبد المحسن الكاظمي، والسيد مصطفى جمال الدين، وغيرهم من أعلام الشعر والأدب.
وفي ذلك المقام استحضرت أبياتًا للسيد علي خان المدني، قالها عندما بدت له قبة المرقد في النجف:
يا صاحِ هذا المشهدُ الأقدسُ
قَرَّتْ به الأعينُ والأنفُسُ
والنجفُ الأشرفُ بانتْ لنا
أعلامُه والمعهدُ الأنفسُ
والقبةُ البيضاءُ قد أشرقتْ
ينجابُ عن لآلائِها الحندسُ
وصلنا إلى الصحن الحيدري؛ حيث مرقد الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- ومن حسن حظنا أن أعداد الزوار لم تكن كبيرة مثلما تكون في المواسم والمناسبات الدينية الكبرى، فاستطعنا الوصول بسهولة إلى الضريح وقراءة الزيارة، ثم أدينا صلاة الظهر والعصر قصرا وجمعا بحكم السفر.
وبذلك كانت النجف المحطة الأخيرة في رحلتنا العراقية؛ رحلة بدأت بالشوق إلى أرض طالما قرأنا عنها في كتب التاريخ والأدب، وانتهت في مدينة تجمع بين التاريخ والدين والعلم والثقافة، وتحتل مكانة خاصة في ذاكرة العراق وفي قلوب ملايين المسلمين في العالم.
وحين غادرنا النجف، لم يكن شعورنا أننا نغادر مدينة زرناها لساعات، بل كأننا نطوي الصفحة الأخيرة من كتاب ظللنا نقرأه خمسة أيام بين بغداد وكربلاء والنجف.
وكنا نخطط ضمن برنامج الرحلة لزيارة الكاظمية التي مررنا بها سريعًا؛ إذ صادف وجودنا هناك يوم الجمعة، وكانت المنطقة شديدة الازدحام بالمصلين والزوار، وكذلك زيارة سامراء التي تبعد نحو ساعة ونصف أو ساعتين عن بغداد، إلا أن الظروف التي كانت تمر بها المنطقة ومخاوفنا من احتمال إغلاق المطارات دفعتنا إلى اختصار برنامج الرحلة.
ورغم قصر مدة الزيارة، فإنها كانت حافلة بالكثير من الصور والمشاهد التي ستظل حاضرة في الذاكرة.
ولا أنسى أن أتقدم بالشكر إلى رفيقنا في الرحلة الأخ إبراهيم الطائي، وهو شاب عراقي مثقف أمتعنا بأحاديثه الثقافية وساعدنا كثيرًا في التعرف على الأماكن التي زرناها وشرح جوانب من تاريخها.
كما أتقدم بالشكر إلى الشيخ ثامر الإبراهيمي، والأستاذ جواد علي كسار، الذي عرفته قارئًا منذ سنوات، عندما كان يكتب ويترجم باسم «خالد توفيق». وقد أكرمنا باستقبالنا في منزله، وأطلعنا على مكتبته العامرة التي تضم آلاف الكتب، كما سعدنا بالتعرف على أسرته الكريمة.
غادرنا العراق وبداخلنا عهد بالعودة مرات أخرى إلى بلاد الرافدين؛ فهناك الكثير من المدن والأماكن نحتاج إلى استكشافها، لأن العراق بتاريخه وثقافته لا تكفيه زيارة واحدة، وبالتأكيد لا يمكن التعرف على حضارته في خمسة أيام.
