من هرمز إلى باب المندب.. حرب المضائق تعيد رسم خريطة القوة

 

 

 

د. علي موسى الكناني **

في الحروب الكبرى، لا تكون الجغرافيا مجرد مسرح للمواجهة، بل قد تتحول إلى أداة من أدوات القوة. وعندما تقترب المعركة من المضائق، يصبح البحر نفسه جزءا من ميزان الحرب. من هرمز في الخليج إلى باب المندب عند بوابة البحر الأحمر، تتشكل اليوم معادلة استراتيجية تتجاوز حدود اليمن وإيران والولايات المتحدة، لتلامس حركة الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.

إذا افترضنا اكتمال سيطرة الحوثيين على جزيرة ميون والمواقع الاستراتيجية المحيطة بمضيق باب المندب، فإنَّ التطور لا يمكن قراءته باعتباره تحولا عسكريا في اليمن فقط، بل باعتباره تغيرا في ميزان الجغرافيا البحرية للصراع الإقليمي، خصوصا في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية وما تفرضه من تداعيات على أمن الطاقة والتجارة الدولية.

تكمن أهمية ميون في موقعها داخل واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. والسيطرة على الجزيرة لا تعني بالضرورة القدرة على إغلاق باب المندب بصورة كاملة، لكنها تمنح الطرف المسيطر موقعا متقدما يمكن من خلاله مراقبة الحركة البحرية وتهديدها ورفع كلفة المرور، وهو ما قد يكون في بعض الحالات أكثر تأثيرا من قرار الإغلاق المباشر.

ومن هنا تظهر العلاقة الاستراتيجية مع مضيق هرمز. فهرمز يمثل بوابة الطاقة الخارجة من الخليج، بينما يمثل باب المندب بوابة البحر الأحمر والطريق البحري الذي يربط آسيا بأوروبا. وفي حال تحول المضيقان إلى نقطتي ضغط في الوقت نفسه، فإن تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية ستتجاوز المجال العسكري لتصل إلى أسواق النفط والتأمين والنقل وسلاسل الإمداد العالمية.

وتكمن حساسية المشهد في طبيعة العلاقة بين إيران والحوثيين؛ فطهران لا تحتاج إلى السيطرة المباشرة على باب المندب حتى تستفيد من تأثيره الجغرافي. وجود قوة حليفة تمتلك قدرة على تهديد الملاحة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يمكن أن يوفر لإيران ورقة ضغط غير مباشرة، خصوصا إذا كانت الولايات المتحدة تواجه في الوقت نفسه تحديات أمنية في الخليج ومضيق هرمز.

وبذلك يمكن أن تظهر معادلة جديدة تقوم على توزيع الضغط بدلا من تركيزه في جبهة واحدة. فإذا تعرض هرمز للاضطراب، يمكن أن تتأثر صادرات الطاقة، وإذا تعرض باب المندب للتهديد، يمكن أن تتأثر حركة التجارة والنقل بين الشرق والغرب. أما إذا تزامنت الأزمتان، فإن الاقتصاد العالمي سيكون أمام اختبار مزدوج لا يتعلق فقط بتوفر الطاقة، بل بقدرة الشركات والدول على الحفاظ على طرق نقل مستقرة وقابلة للتوقع.

كما إن هذا السيناريو سيضع الولايات المتحدة وحلفاءها أمام خيارات أكثر تعقيدا؛ فحماية الملاحة في باب المندب ستحتاج إلى حضور عسكري واستخباري أكبر، في وقت تتطلب فيه حماية هرمز قدرات مماثلة. وهذا يعني توزيع الموارد بين مسرحين بحريين متباعدين، مع احتمال توسع نطاق المواجهة وارتفاع كلفتها.

أما السعودية والدول المطلة على البحر الأحمر، فستجد نفسها أمام بيئة أمنية أكثر حساسية؛ فتهديد باب المندب لا يمس الملاحة الدولية فقط، بل يضيف بعدا جديدا إلى أمن الطاقة والأمن الاقتصادي الإقليمي. وقد يدفع ذلك إلى إعادة النظر في ترتيبات الأمن البحري والتحالفات الإقليمية ومسارات التجارة البديلة.

ومع ذلك، فإن السيطرة على موقع استراتيجي لا تعني امتلاك القدرة المطلقة على التحكم بالمضيق. فباب المندب ممر دولي، وحركته ترتبط بالقوة البحرية الدولية والقواعد القانونية والتوازنات الإقليمية. لذلك فإن التأثير الأكبر قد لا يأتي من إغلاق المضيق، بل من خلق حالة مستمرة من عدم اليقين تدفع السفن وشركات التأمين إلى اتخاذ قرارات أكثر كلفة وحذرا.

في هذه الحالة، تتحول الجغرافيا إلى سلاح من نوع مختلف؛ فالمعركة لا تدور فقط حول الأرض أو المنشآت العسكرية، وإنما حول القدرة على التأثير في حركة الطاقة والتجارة العالمية. وبين هرمز وباب المندب، يصبح البحر جزءا من ميزان الردع والتفاوض.

والخلاصة أن السيطرة المفترضة على ميون قد تجعل الحرب الأمريكية الإيرانية أمام مرحلة جديدة، تنتقل فيها المواجهة من سؤال من يملك القوة العسكرية الأكبر إلى سؤال من يستطيع التحكم بممرات الحركة العالمية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: فإغلاق المضائق ليس السيناريو الوحيد، بل قد يكون السيناريو الأكثر كلفة هو بقاء المضائق مفتوحة شكليا، لكنها غير آمنة بما يكفي لضمان استمرار التجارة بالطريقة المعتادة.

** كاتب عراقي

الأكثر قراءة

z