"اتفاق مكة".. بين التحولات الإقليمية ومخاطر الاستقطاب

 

 

 

 

د. علي الكناني

alialkinani2000@gmail.com

لا يُمكن قراءة اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان بمعزل عن التحولات الكبرى، التي فرضها الصراع الأمريكي الإيراني الإسرائيلي على البيئة الأمنية في المنطقة؛ فالتحالفات والترتيبات الجديدة لا تتشكل عادة بسبب حدث واحد، وإنما نتيجة تراكم مخاوف استراتيجية تشعر معها الدول بأن قواعد الأمن القائمة لم تعد كافية لحماية مصالحها.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى اتفاق مكة باعتباره انعكاساً لمرحلة جديدة أعادت فيها الحرب والصراع بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل ترتيب أولويات الأمن لدى عدد من القوى الإقليمية.

خلال السنوات الماضية، انتقلت المنطقة من مرحلة الصراعات المحدودة إلى مرحلة أصبح فيها احتمال اتساع المواجهة الإقليمية قائما في أكثر من اتجاه. الصراع الأمريكي الإيراني لم يعد محصورا في الملفات النووية والعقوبات والضغوط السياسية، فيما تحولت المواجهة الإسرائيلية مع إيران إلى عنصر مؤثر في الحسابات الأمنية لدول المنطقة. ومع دخول الصواريخ والمسيرات والحرب السيبرانية واستهداف المنشآت الحيوية والممرات البحرية والطاقة في معادلة الصراع، باتت الدول الإقليمية تنظر إلى أمنها، باعتباره مسألة تحتاج إلى ترتيبات تتجاوز الحدود الثنائية التقليدية.

من هنا، يمكن فهم الدافع السعودي بصورة مختلفة. الرياض وجدت نفسها أمام بيئة إقليمية تتغير بسرعة؛ حيث يمكن لأي مواجهة بين واشنطن وطهران، أو بين إسرائيل وإيران، أن تنتج تداعيات تتجاوز أطراف الصراع المباشر. ولذلك يصبح بناء شراكات أمنية متعددة الاتجاهات محاولة لرفع مستوى الردع وتقليل مخاطر المفاجآت الاستراتيجية، خصوصا في ظل ارتباط أمن الخليج بالطاقة والملاحة والاستثمار والاستقرار الاقتصادي.

أما تركيا، فتتعامل مع المشهد من موقع مختلف؛ فهي ليست طرفا مباشرا في الصراع الأمريكي الإيراني الإسرائيلي، لكنها موجودة في الجغرافيا التي يمكن أن تتأثر بتداعياته. وأي توسع للصراع قد ينعكس على البحر الأسود وشرق المتوسط والشرق الأوسط والطاقة وحركة التجارة والحدود. ولذلك فإن أنقرة لديها مصلحة في امتلاك شبكة علاقات أمنية وسياسية تمكنها من التعامل مع مرحلة قد تصبح فيها التوازنات أكثر سيولة.

باكستان بدورها لا تنظر إلى التطورات من زاوية الخليج فقط. موقعها في جنوب آسيا وصلاتها مع العالم الإسلامي، إلى جانب علاقاتها مع السعودية وتركيا، يجعلها طرفا قادرا على تقديم بعد عسكري واستراتيجي مختلف. كما إن مشاركة إسلام أباد في ترتيب أمنى مع الرياض وأنقرة يمكن أن يعكس رغبة في تعزيز موقعها داخل منظومة أوسع من التوازنات الدولية والإقليمية.

لكن الخطر الأكبر يظهر عندما نربط الاتفاق بالمسار الأوسع للصراع؛ فإذا كان الاتفاق مجرد إطار للتعاون الدفاعي وتبادل الخبرات والتنسيق، فقد يكون أداة للردع والاستقرار. أما إذا تحول تدريجيا إلى نواة لمحور سياسي أو عسكري جديد، فقد يدخل المنطقة في مرحلة مختلفة تمامًا، عنوانها إعادة تشكيل التحالفات على أساس الاستقطاب.

وهنا تبرُز عدة مكامن للخطر، أولها: احتمال سوء تفسير الاتفاق من جانب الأطراف الأخرى، فحتى عندما تعلن الدول أن الترتيب دفاعي، قد تنظر إليه قوى إقليمية منافسة باعتباره جزءًا من استراتيجية احتواء أو تطويق. وهذا يمكن أن يدفع إلى تشكيل ترتيبات مقابلة، فتتحول المنطقة إلى منظومة من المحاور الأمنية المتنافسة.

ثانيها: أن استمرار الصراع الأمريكي الإيراني، بالتزامن مع الصراع الإسرائيلي الإيراني، قد يجعل أي اتفاق أمني جديد عرضة للتوظيف السياسي. فكلما ارتفع مستوى التصعيد، ازدادت الضغوط على الدول الإقليمية لاتخاذ مواقف أكثر وضوحا، وهو ما قد يضعف مساحة الحركة المستقلة التي تحاول بعض العواصم الحفاظ عليها.

ثالثها: أن دخول تركيا وباكستان إلى ترتيبات أمنية مع السعودية يمنح الاتفاق وزناً يتجاوز الإطار الخليجي؛ فتركيا قوة إقليمية كبرى، وباكستان دولة تمتلك قدرات عسكرية استراتيجية، والسعودية تمتلك ثقلا سياسيا واقتصاديا كبيرا. وبالتالي فإن اجتماع هذه القدرات يمكن أن ينتج توازنا جديدا إذا استخدم للردع، لكنه قد يصبح مصدرا لمنافسة جديدة إذا تحول إلى مشروع اصطفاف.

رابعها: أن الصراع الحالي لم يعد عسكريا بالمعنى التقليدي. فأمن الطاقة والممرات البحرية والاتصالات والبنى التحتية والهجمات السيبرانية والطائرات المسيرة كلها أصبحت جزءا من معادلة الردع.

ولذلك فإنَّ الاتفاقات الدفاعية الحديثة قد تتوسع بصورة طبيعية إلى مجالات حساسة، وهو ما يجعل حدود التعاون ومساراته المستقبلية مسألة تستحق المتابعة.

الأكثر قراءة

z