للفشل طاقة مُعَطّلة (9)


"الوعي النقي، تفكيك لسيكولوجية العجز الجمعي"
الكاتب: حمد الناصري

ثِمّة لحظة تاريخية ونفسية فارقة، يتحَوّل فيها الخوف الفردي من مجرد توجس عابر في عقل الإنسان، ليصبح "عدوى نفسية" تتلقفها الجماعة؛ فيتوالد عنها ما يُمكن تسميته بـ "العجز الجمعي". 

إنّ هذا العجز ليس حقيقة مادية، بل هو هيكلٌ من الأوهام المشتركة تُشيّدها الظنون في الفضاء العام، فتنغلق طاقة المجموع وتُصاب حركتهم بالشلل الارتدادي، حيث يرى الكل سِياط الوَهْم مُسَلّطةً عليهم، فيستسلمون لواقعٍ مُتخيل لا وجود حقيقيّ له. 

ومن هنا، يبرز "الوعي النقي" ليس كترفٍ فكري، بل كأداةٍ تشريحية ضرورية لتفكيك سيكولوجية هذا العجز العقيم، وإعادة الروح إلى الطاقة الحيوية الكامنة في بدَن الأمة.

إنّ هذه الارتدادية والجنوح نحو الاستسلام داخل المجتمع، هو ما شرّحه عالم النفس والاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) في كتابه الصادر عام 1895م "سيكولوجية الجماهير"، والذي نقله إلى اللسان العربي المترجم والمفكر الدكتور هاشم صالح في طبعته الصادرة عام 1991م؛ إذ يخلص في أطروحته إلى أنّ الجماهير لا تُحركها العقلانية بل العاطفة والعدوى النفسية، والوهم المشترك يقودها نحو العجز والانصياع؛ فالخوف داخل المجموع يتضاعف ويتحَوّل إلى حقيقة وهمية تُكبل حركة الفرد وتُلغي وَعْيه الخاص لصالح عجز جمعيّ مُسيطر.

وقد رأينا هُنا ما يتطابق مع أطروحة الطاقة المُعَطّلة والوعي الإنساني النقي الذي تُفسد جمْعَهُ الجرثومة الخفية؛ فالخوف الوهمي حين يَجد بيئة جمعية يتكاثر فيها الوَهْم كالسرطان، يسرق من العُقول عزمها الجماعي، لِتتحَوّل الجُموع إلى جسدٍ بلا بُوصلة أو اتجاه، وتحرك نحو الركود والتوجس.


ولم تقف الملاحظات الراصدة عند حدود هذا التوجس في الفلسفات الغربية، بل رصدته عين الفِكر في بيئتنا العُمانية كجرثومةٍ خفية تنخر سيكولوجية البناء الجمعي؛ وهو عين العائق المعرفي الذي فككه الطبيب والمفكر العُماني الدكتور زكريا بن خليفة المحرمي في أطروحاته السوسيو-فلسفية المنشورة بجريدة عُمان في سبتمبر 2025م حول حركة الوعي والنهوض الحضاري؛ إذ يرى في مُقارباته أنّ الخوف الجمعي هو القيد غير المرئي الذي يَصنعه العقل المُستسلم للأوهام؛ حيث يتحَوّل التوجس الفردي إلى يقين مجتمعيّ يُعطل طاقات الأمة ويمنعها من حركتها التاريخية، ولا خلاص منه إلا بوعيٍ نقيّ يُعيد بناء الذات على قِيم الحق واليقين.

 ونقول تعقيباً مُضافاً إلى أطروحة المفكر د. زكريا المحرمي: إنّ إعادة بناء الذات تقتضي أولاً كَسْر جدار "التواطؤ الجماعي على الخوف"؛ فكلما ردّد المجموع تُرّهات الوَهْم، زاد عُمق العجز، ولن ينقشع هذا الخطر إلا إذا تحرّك الوعي النقي مستَحِثاً ومُستنهضاً مكامن الأمان واليقين في العقل الواعي.

وفي هذا الإطار، نجد أن التشريع الإلهي قد قطع دابر هذا الترهيب الذي يبثّهُ الوَهْم في جسد الجماعة ليزعزع ثباتها؛ فجاء التحذير الإلهي كبرهانٍ يُفتت الأوهام في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: 175)؛ فهذا التوجيه الرّباني يُفكك سيكولوجية العجز من جذورها، ويُبين أنّ صِناعة الرُعب الجمعي هي آلية وهمية شيطانية لتعطيل وعي الأمة وحركتها، بينما الوعي النقي المربوط بحقيقة "وخافونِ" يمنح النّفس طُمأنينة مدفوعة بعزم القوة الإلهية الأعظم، فيطرد العتمة ويستبدل رُعب اللحظة بثباتٍ حسّيّ لا يتزلزل.

وإذ ما تراخت النفوس واطمأنت لسراب الأوهام، فإنّ الكثرة العددية لجموع المجتمع تتحوّل إلى عبءٍ سيكولوجيّ؛ وهو ما حذّر منه سيّد الأنام محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تشخيصه النبوي لعدوى الوهن النفسي، في الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام أبو داود في "سُننه" ضِمن كتاب الملاحم؛ حيث قال: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا». فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أنتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ». فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ». 

إنّ وصف "غُثاء السيل" هو أبلغ تجسيد لـ "العجز الجمعي"؛ حيث تفقد الجماعة تماسكها العقلاني، وتتسرّب المخاوف إلى باطنها فتطمُر طاقتها الحيوية الكامنة، لتصبح حركة بلا عقل ووجوداً بلا فاعلية، جرّاء غياب الوعي النقي اللازم للأمان اليقيني.

خُلاصة القول: إنّ سيكولوجية العجز الجمعي ليست قدراً محتوماً، بل هي وعكة ذهنية تُصيب المجموع حين يرتفع منسوب الظنون الحسّية، وتُؤلف المشاهد الوهمية سيناريوهاتها بواقعٍ مُتخيل يُعَطّل تفكير الأمة ويسرق طاقة يومها وغدِها.
 ومن هذا المُنطلق، كلما استوعب المجتمع— بوصفه النسيج الحيوي المُحتضن لهذه الظنون— أنّ عجزه ليس حقيقة مادية بل غشاوة من الأوهام تنكشف مع أول حركة حُرة نحو النهوض، لِتتبدّدَ مَعها سطوة التردد في عموم بُنيته؛ وبذلك يتجلى "الوعي النقي" فاعلاً فـي فك القيود، فيستعيد العقل المُشترك توازنه وعافيته، وتتحرر طاقاته الكامنة لينطلق المجتمع مما كان مُعتقداً من عجزٍ جمعيّ إلى سَعي وحيوية تُعَطّل جرثومة الفشل.

* هذه السلسلة الفكرية من ضمن أطروحة الكاتب: "للفشل طاقة معَطّلة".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z