زكريا الحسني
ليس النجاح دائمًا وليد البدايات الكبيرة ولا تصنعه القرارات السريعة أو الاندفاع المؤقت فكثير من النجاحات العظيمة بدأت بخطوات بسيطة ثم نمت شيئًا فشيئًا حتى أصبحت إنجازات كبيرة وفي المقابل قد تبدأ بعض المشاريع والأشخاص بداية قوية ومبهرة لكنها سرعان ما تتعثر عندما لا يكون خلف تلك البداية نظام واضح وإدارة رشيدة وقدرة على الصبر والاستمرار.
ولعل من أهم عناصر النجاح وضوح الهدف؛ فالإنسان الذي لا يعرف إلى أين يريد الوصول قد يبذل جهدًا كبيرًا لكنه يستهلك طاقته في اتجاهات متعددة أما حين يكون الهدف واضحًا يصبح من السهل تحديد الأولويات واتخاذ القرارات المناسبة.
ويأتي بعد ذلك التدرج وهو من أهم أسرار النجاح المستدام فبناء الإنسان أو المؤسسة يشبه بناء صرح متين لا يمكن أن نضع الطوابق العليا قبل أن نؤسس قاعدة قوية لذلك فإن البدء بخطوات صغيرة ومدروسة ثم تطويرها تدريجيًا يمنح الإنسان فرصة للتعلم وتصحيح الأخطاء وتقليل المخاطر.
ومن العناصر المهمة كذلك الصبر فالنتائج الكبيرة لا تظهر بين ليلة وضحاها وبعض أعظم الإنجازات تحتاج إلى سنوات من العمل الهادئ والمتواصل والصبر لا يعني الانتظار السلبي، وإنما يعني أن تعمل وتتعلم وتصحح أخطاءك دون أن تستسلم لأن النتائج لم تظهر بالسرعة التي كنت تتوقعها.
كما أن حسن الإدارة عنصر حاسم في النجاح فقد يمتلك الإنسان المال والخبرة والفرص، لكنه إذا أساء إدارة موارده ووقته وأشخاصه، تحولت الإمكانات إلى مشكلات الإدارة الجيدة تعني التخطيط وترتيب الأولويات وحسن اتخاذ القرار ومراقبة النتائج والاستعداد لتغيير الخطة عندما تقتضي الظروف ذلك.
ولا يقل عن ذلك أهمية الذكاء العاطفي في التعامل مع الناس فالنجاح لا يقوم على المهارات الفنية وحدها وإنما يحتاج إلى القدرة على فهم الآخرين والاستماع إليهم واحترام اختلافاتهم ومعرفة متى نتحدث ومتى نصمت ومتى نكون حازمين ومتى نكون مرنين فكثير من الفرص تضيع ليس بسبب ضعف الكفاءة وإنما بسبب سوء التعامل مع الآخرين.
ومن هنا تأتي أهمية العلاقات الاجتماعية؛ فالعلاقات الجيدة تفتح أبوابًا للمعرفة والخبرة والفرص وتمنح الإنسان شبكة من الأشخاص الذين يمكن أن يتبادل معهم الأفكار والمشورة والدعم لكن الأهم من كثرة العلاقات هو جودتها؛ فالعلاقة النافعة هي التي تضيف إلى الإنسان معرفة أو خبرة أو قيمة أو إلهامًا.
ومن أهم القرارات التي تحدد نجاح المؤسسات اختيار الموظفين بعناية فاختيار الشخص المناسب لا ينبغي أن يعتمد على الشهادة أو السيرة الذاتية وحدهما؛ بل يجب النظر إلى الكفاءة والشخصية والقيم والقدرة على التعلم والذكاء العاطفي والعمل ضمن الفريق، ومن الأفضل أن يكون الاختيار وفق معايير واضحة وأن تتضمن عملية التوظيف مقابلات سلوكية واختبارات عملية كلما أمكن؛ لأن الأفعال كثيرًا ما تكشف عن قدرات الإنسان أكثر مما تكشفه الكلمات.
إنَّ النجاح المستدام لا يصنعه الحماس وحده ولا رأس المال وحده ولا الذكاء وحده وإنما تصنعه منظومة متكاملة من وضوح الهدف والتدرج، والصبر، وحسن الإدارة، والتعلم المستمر، والذكاء العاطفي، والعلاقات الجيدة، واختيار الأشخاص المناسبين.
ولذلك ربما تكون القاعدة الأهم: لا تبحث عن نجاح سريع يبهرك اليوم؛ بل ابن نجاحًا متدرجًا يستطيع أن يستمر معك سنوات طويلة.
النجاح الحقيقي ليس أن تصل سريعًا، وإنما أن تصل وأنت قادر على البقاء في القمة.
