محطات.. صافرة عُمان

 

 

 

المعتصم البوسعيدي

هنا.. شاطئ يعزف «أنشودة التاريخ»، وبحر يغني «اللانزيه» على صهوة الجياد، ولبان يفوح عبق الحضارات ورائحة حاضر مزدهر. هنا.. جبل سمحان تعلو معه الهمم، وميلاد طفلٍ آتٍ من عام 1983 في عروس البحر مرباط من جنوب عُمان؛ حيث ظفار التي تسلب القلوب، وتظفر بالمحبة والسلام. هنا.. طفل عاش بين جناحي والديه مع سبعة من الإخوة وثلاث من الأخوات، تعلّم أبجديات وطن شامخ، وإنسان متواضع رفيع الشأن والقيمة.

نجمنا اليوم في محطات نجوم الرياضة العُماني الأصيل أحمد الكاف، الذي اختار كرة القدم، معشوقة الجماهير، فترعرع في نادي الاتحاد ناشئًا يسعى للنجومية كلاعبٍ لا يشق له غبار، فانتقل- سريعًا- يطارد حلمه إلى الزعيم الظفاري، محققًا معه دوري الشباب عام 2001. لكن شغفه لم يكتمل حتى مع ارتدائه قميص العريق، نادي موطنه مرباط، في دوري الدرجة الثانية. ولأنه ابن المواقف؛ لم يبقَ جامدًا حول نفسه، بل تماهى مع صافرة «القاضي» في العشب الأخضر، فبدأ في «الدهاريز» و«هلال» صلالة حكمَ حواري ذا صيت، قاده إلى برنامج المستقبل الآسيوي عام 2007.

سنوات من التعلّم والتدرج السريع، والجد والاجتهاد، حتى أصبح حكمًا دوليًا عام 2012، قبل أن يضع اسمه في نخبة آسيا سيدًا للقرارات، وشخصيةً قوية اعترف بها الإعلامي الرياضي القدير السعودي وليد الفراج، حين قال إنه قدّم الدرس المثالي: «حكم يدير الفأر لا الفأر يديره». فكان بحق صافرة عُمان التي نفخر ونتفاخر بها.

واليوم؛ عشرون عامًا من الكفاح والعمل المستمر، وثلاثة نهائيات لدوري أبطال آسيا ضمن أكثر من 70 مباراة، وبطولتا كأس آسيا للمنتخبات، ومثلهما في الخليج، وكأس عالم للشباب عام 2019، وأكثر من 100 مباراة قارية، دون أن تغيّره هالة الضوء؛ فظلَّ أحمد الكاف السمتَ العُماني، والتألقَ الدولي، والحكايةَ التي انتهت بإعلان اعتزاله مؤخرًا، مع سيل عَرِم من الشكر والتقدير، ونهر من الثناء والامتنان على العطاء ورفع اسم البلاد بصوتٍ لطالما أعلن البداية والنهاية.

الأساطير والنجوم يمرون بمنعطفات كثيرة، ولعلَّ نجمنا الكاف كان له من ذلك نصيب؛ مباريات حاسمة تجرّها عواطف الجماهير الهادرة، دون أن يرفّ له طرف، وفيًّا لرؤيته: «فكّر في الآن، ثم أكمل واستمتع». فلا «سدّ» أوقفه، ولا «هلال» أغرقه، ولا «جاكرتا» أثنته عن شرف خوض الحرب وانتصار المعارك. لكنه بشر، أوجعه عدم تحقيق حلمه المونديالي طوال مسيرته الكبيرة، وآخرها صدمة الاستبعاد من المونديال الأمريكي «الفضيحة». أما عن الأسباب؛ فلربما اختصرها الحكم الإماراتي المعتزل علي بوجسيم، وهو يخاطب نجمنا ذات يوم: «أحمد.. مستواك 50% والدعم 50%». وبينهما انزوى حلم بطلنا، وحلمنا جميعًا، في تتويج يستحقه؛ لقلة النفوذ وهيمنة المحاصصة في مصالحها السياسية والمالية وحتى الرياضية، التي لوّثت القيم وغيّبت المبادئ.

لا يتفوّق على الكاف الحكم إلا الكاف الإنسان؛ البار بوالديه، الأب المثالي لفهد وصالح والحارث، وسرُّ أبيها سارة. الإنسان المكافح الذي ظل 12 عامًا باحثًا عن عمل يؤمّن مستقبله، ومارس مهنة سائق حافلة يفتخر بها؛ لأنها جزء من كفاحه وتضحيته. وفيٌّ لزملاء المهنة الراحلين، ممن كان لهم فضل تأسيس الصافرة العُمانية المتألقة، حينما يتطلب الأمر ذكرهم. كريمٌ يرى العمل الخيري حصنًا ودعاء، ومثال للتنمية البشرية التي يقرأ ويستمع لها، وهو في الواقع أحد ربّابنتها.

صافرة الكاف ستبقى صافرة عُمان، والذي اختتم رحلته معها بمقولة تُكتب بالذهب. وأنقل هنا بتصرّف، ما قاله في لقاءٍ إعلامي: «محبة الناس كانت بالنسبة لي هي كأس العالم التي فزت بها». أما كأسهم، فهي عدالة ننعيها بـ«الهيدان»، ثم ننتظر عودتها على إيقاع «الهيريابوه»، مع نجمنا الكاف، على شواطئ مرباط الجميلة.

الأكثر قراءة

z