الشهر الجاي!

 

 

 

ريم الحامدية

reem@alroya.info

 

"خليها الشهر الجاي".. قالتها وهي تُعيد الشيء إلى مكانه، ثم مضت في يومها كأنَّها لم تؤجِّل شيئًا، لكنها في الحقيقة لم تؤجِّل شراء شيء فقط؛ كانت تؤجَِل رغبة صغيرة، واحدة من تلك الرغبات التي نتعلم مع الوقت كيف نضعها في آخر القائمة، لأنَّ هناك دائمًا ما هو أهم منها.

وفي بيوت كثيرة، لا تُقال هذه الجملة بصوت عالٍ، تُقال أمام فاتورة، أو في متجر، أو حين يطلب أحد الأبناء شيئًا، أو حين يُفكِّر أحدهم في شراء ما يحتاجه لنفسه ثم يتذكَّر أنَّ الراتب له أبواب كثيرة، نحن لا نعيش دائمًا على ما نُريد، بل على ما نستطيع.

ولعلَّ نتائج مسح دخل وإنفاق الأسرة التي أعلنها المركز الوطني للإحصاء والمعلومات مؤخرا، تضع هذه الحكاية اليومية أمام أرقام واضحة، فقد بلغ متوسط الدخل الشهري للأسرة العُمانية نحو 1839 ريالا فيما بلغ معدل الإنفاق 1058ريالا.

ولهذا تبدو أرقام دخل الأسر أكثر من مجرد أرقام اقتصادية؛ فخلف كل رقم، بيتٌ له حساباته الخاصة، وأولوياته، وأحلامه المؤجَّلة. بيت قد يكون دخله جيدًا، لكنه لا يملك رفاهية أن يُخطئ في توزيع ريال واحد؛ فالدخل لا يُقاس فقط بما يدخل الحساب، بل بما يبقى بعد أن يمُر على قضبان الحياة كقطار مُسرعٍ لا يُمكن إيقافه!

الإيجار يأخذ نصيبه، والفواتير تعرف طريقها، والتعليم له كلفته، والسيارة تحتاج وقودا وصيانة، والبقالة لا تتوقف، وهناك دائمًا ظرف طارئ يُطل من حيث لا نتوقع، ثم يأتي الادخار، ذلك الضيف الذي نُرحِّب به كثيرًا ونعتذر له كثيرًا: فنقول ليس هذا الشهر!

هنا تبدأ السردية الحقيقية الواقعية، أن يكون للأسرة دخل لا يكفيها فقط لدفع التزاماتها، بل يمنحها مساحة لتفكِّر في الغد، أن تستطيع أن تدَّخر، وأن تواجه مفاجأة دون أن تهتز ميزانية البيت، وأن تشتري شيئًا تحبه دون أن تشعر بالذنب لأنك فعلت.

الرفاهية ليست أن نمتلك كل شيء، ربما تكون الرفاهية الحقيقية ألا نضطر إلى تأجيل كل شيء، والحديث عن متوسط دخل الأسر وإنفاقها مهم لفهم التحولات الاقتصادية والاجتماعية، لكن المتوسط لا يستطيع أن يحكي تفاصيل البيوت، فلا يعرف عدد أفراد الأسرة، ولا حجم التزاماتها، ولا ما إذا كانت تعيش بالإيجار أو القسط، ولا كم مرة قالت الأم "ما الحين"، وكم مرة قال الأب لنفسه "بعدها".

الرقم واحد، لكن الحكايات تحته كثيرة، وربما لهذا لا يكفي أن نسأل كم يبلغ دخل الأسرة؟ الأجدر أن نسأل ماذا يفعل هذا الدخل بحياة الأسرة؟ هل يمنحها أمانًا؟ هل يترك لها ريالات معدودة للمستقبل؟ هل يسمح لها أن تعيش اليوم دون أن تخاف من الغد؟

لأن الراتب في النهاية ليس رقمًا يصل إلى الحساب في موعد محدد؛ بل تعب يتحول إلى حياة، وإذا كانت الحياة كلها تمُر من بين أصابعنا قبل أن نلحق بها، فربما لا تكون المشكلة في مقدار ما نكسب فقط، بل في كمِّ الأشياء التي اضطررنا أن نقول لها "خليها الشهر الجاي"!

الأكثر قراءة

z