ريم الحامدية
في صباحات هذا الأسبوع، وبينما كانت الحياة تمضي كعادتها؛ كان الناس يركضون خلف أرزاقهم، وآخرون يحملون عائلاتهم إلى نزهة عابرة، وموظفون يتسابقون مع ساعات الدوام، وأطفال يبدؤون يومهم بضحكاتهم الأولى، كانت هناك حياة أخرى تمضي ببطءٍ شديد خلف أبواب أحد المستشفيات.
جلست هناك ثلاث ساعات.. ثلاث ساعات فقط، لكنها بدت أطول من كثير من الأيام، وفي الخارج، كانت الحياة مستمرة بكل ضجيجها المعتاد، بينما كنت أجلس أمام نتيجة أعرف أن أحدًا ينتظر مني أن أنطق بها، لم يكن دوري أن أقرأ الورقة فحسب؛ كان عليّ أن أجد الكلمات التي ستأتي بعدها، طوال الوقت، كنت أُرتِّبُ جملة، ثم أهدمها، أختار كلمة، ثم أستبدلها بأخرى، أتخيل الوجوه حين تسمع النتيجة، ونبرة الصوت، والأسئلة التي ستأتي بعدها، ثم أعود من البداية وكأنني أبحث عن طريقة يمكن للكلمات فيها أن تكون أقل قسوة.
لكنني، في كل مرة، كنت أكتشف الحقيقة نفسها: لا توجد كلمة مناسبة تمامًا لبعض الأخبار، ومنذ تلك اللحظة، أخذت أفكر في كل الأشياء التي نعجز عن قولها، ليس لأننا لا نملك الكلام، ولا لأننا لا نعرف كيف نتحدث، بل لأن بعض ما نشعر به أكبر من أن تحمله جملة.
كم مرة وقفنا أمام شخص نحبه، وفي داخلنا كلام كثير، ثم خرجت منا عبارة عابرة مثل: "دير بالك على نفسك"؟ وكم مرة أردنا أن نقول لشخصٍ ما: "وجودك في حياتي غيَّر أشياءً كثيرة"، ثم اكتفينا بـ"شكرًا؟ وكم مرة حملنا اعتذارًا لسنوات، لأننا لم نجد الطريقة التي تجعل "آسف" تساوي حجم الندم؟ وكم مرة عرفنا خبرًا نخشى أن ننطقه، لأننا نشعر أن الأشياء تصبح أكثر واقعية حين تتحول من فكرة في الرأس إلى كلمات على اللسان؟
حين يمرض شخص عزيز علينا، مثلًا، لا يكون أصعب ما في الأمر هو معرفة الخبر وحده؛ بل تلك اللحظة التي نحاول فيها أن نخبر من نحب، ونبحث عن كلمات لا تؤلمه، وعن نبرة لا تكشف خوفنا، وعن جملة تستطيع أن تقول الحقيقة دون أن تسقطها كاملةً فوق قلبه.
فنقول: "مجرد فحوصات"، "إن شاء الله بسيطة"، "يهونها الله"، ونكتشف أننا لا نخفف الحقيقة بقدر ما نحاول أن نخفف قدرتنا نحن على احتمالها.
وفي المقابل، هناك أفراح لا نعرف كيف نصفها، وأشخاص نريد أن نشكرهم فلا تكفينا كلمات الشكر، وأشخاص رحلوا، وما زلنا نؤجل في خيالنا حديثًا كاملًا معهم، كأن الغياب يمكن أن يمنحنا موعدًا آخر، حتى الوداع أحيانًا لا يشبه كلمة "وداع"، لأن بعض الأشخاص حين يرحلون، لا يأخذون أجسادهم فقط؛ يأخذون معهم تفاصيل صغيرة من أيامنا، أماكن، أصواتًا، عادات، ومقاعد كنا نظن أنها مجرد مقاعد… ثم نكتشف أنها كانت مرتبطة بإنسان.
ولعل أكثر ما يدهشنا في اللغة أنها، رغم كل ما تستطيع فعله، تعرف متى تعجز.
فثمَّة مشاعر لا تُقال، بل تُفهم، في يدٍ تُمسِكُ يدًا أخرى دون سؤال، وفي شخصٍ يجلس بجانبك حين لا تعرف ماذا تريد، وفي أُمٍّ تلاحظ تغيُّر صوت ابنها قبل أن يقول شيئًا، وفي صديقٍ يرسل "طمِّني عليك" لأنه شعر أن هناك شيئًا لم تقُله، وفي دعاء يخرج من قلب شخص محب، دون أن يعرف صاحبه أن أحدًا كان يحتاجه في تلك اللحظة.
ربما لسنا بحاجة دائمًا إلى أن نقول كل شيء، لكننا بحاجة إلى ألّا نؤجِّل كل شيء، فبعض الكلمات، وإن كانت بسيطة، لها وقتها الذي لا يشبه أي وقت آخر.
"شكرًا لأنك كنت هنا"
"سامحني"
"أنا فخور بك"
"اشتقتُ لك"
"أُحبُك"
"مُمتن لك"
قد تبدو جُمَلًا عادية، لكننا لا نعرف أحيانًا كم يحتاجها شخص ما حتى يسمعها.
عدتُ من المستشفى في ذلك اليوم، وبَقِيَتْ تلك الساعات الثلاث ترافقُني، لم أُفكِّر فقط في النتيجة التي كنت أحملُها، بل في كل الكلمات التي نعيش أعمارنا ونحن نؤجِّلُها، كأنَّ الوقت مضمون، وكأنَّ الأشخاص سيبقون، وكأنَّ الفرص لا تنتهي، وربما الحقيقة أن الحياة لا تؤلمنا دائمًا بما تقوله لنا.. أحيانًا تؤلمنا بما لم تمنحنا فرصةً لقوله، لذلك، إنْ كان في قلبك اليوم شيءٌ جميل، قُلْهُ، وإنْ كان هناك اعتذار، فلا تُرجِئهُ للغد، وإنْ كان هناك شخص يستحق أن يعرف كم يعني لك، فلا تجعله يستنتج ذلك وحده.
لأننا لا نعرف أيّ الكلمات ستصبح يومًا آخر شيءٍ تمنينا لو قلناه!
