كلمة "لا" بين حماية الأبناء وحريتهم

 

 

سلطان بن ناصر القاسمي

كثيرٌ منا يعيش مرحلة المراهقة وعدم نضج أفكار الأبناء خلال هذه المرحلة العمرية، وما تحمله من تحديات إثبات الذات والشخصية لدى الأبناء، ومع هذا يظهر لنا أسلوب تربية مرتبط بكلمة «لا» مع الآباء، والذي يسعى من خلاله أولياء الأمور إلى حماية أبنائهم من الوقوع في مشكلات وأخطاء هذه المرحلة، وفي المقابل حرصهم على منحهم النصح والإرشاد بالحب والحنان، إلا أن ذلك للأسف لا يكفي لتربية أبناء صالحين يتحملون المسؤولية.

المشكلة تبدأ عندما يعتقد بعض أولياء الأمور أن حب أبنائهم يعني الاستجابة لكل رغباتهم والتغاضي عن تصرفاتهم وأخطائهم، وتركهم يفعلون ما يحلو لهم بحجة الاستفادة من تجاربهم، ومع مرور الوقت للأسف تتحول هذه الحرية غير المنضبطة إلى لامبالاة، والتساهل إلى تمرد، والتغاضي عن الأخطاء إلى شعور في نفس الابن بأنه غير مطالب بتحمل مسؤولية تصرفاته. وفي الحقيقة، عزيزي ولي الأمر، أن تقول لابنك «لا» عندما يخطئ لا يعني أنك لا تحبه، وعزيزي الابن، ذلك أيضًا لا يعني أن أباك لا يحبك، بل هنا تكمن أهمية الحرص على مستقبل الابن.

وعندما نتحدث عن البداية الجيدة لهذه الكلمة «لا»، فهي مرحلة الطفولة، فنرى الكثير من الأطفال يتحركون دون مسؤولية، ويحاولون امتلاك كل ما يجدونه أمامهم من لعب ووسائل ترفيه، سواء مع إخوانهم أو حتى أثناء زيارات الوالدين برفقتهم إلى أقاربهم. وللأسف، تجد بعض أولياء الأمور لا يبالون بتوجيه أبنائهم بحجة أنهم صغار ولا يدركون. بالعكس، عزيزي ولي الأمر، أنت هنا تزرع سلوكًا خاطئًا في ابنك، وبالتالي إذا لم يسمع الابن كلمة «لا» في البيت، فقد يسمعها يومًا في الخارج، ولكن بعد أن تكون عواقبها أكبر. وإذا تعلم الابن ذلك في البيت، فإنِّه يكبر وهو يدرك أن هناك حدودًا لا يمكن تجاوزها، وبالتالي يكبر الطفل وهو أكثر قدرة على ضبط النفس واحترام الآخرين، وتحمل نتائج اختياراته.

وأنا هنا أدرك أن عدم استخدام الوالدين كلمة «لا» قد يكون بسبب شعورهم بالذنب عند رفض طلب لأبنائهم، وخصوصًا إذا كان الابن قد تعود على الحصول على كل ما يُريد، أو حتى في بعض المواقف يكون هناك استهتار وضحك من قبل أولياء الأمور على تصرفات أبنائهم دون مراعاة شعور من استقبلهم واستضافهم. وهنا تكون الفكرة الخطأ لدى أولياء الأمور في تبني فكرة: نحن لا نريد أن نحرم أبناءنا مما حُرمنا منه. لكن عزيزي المربي، التربية ليست أن نعطي أبناءنا كل ما نقدر عليه، وإنما أن نعطيهم ما يحتاجون إليه فقط؛ ليكونوا أفرادًا صالحين وقادرين على مواجهة الحياة. وبالتالي، نجعل هذه المقولة أساسًا في تربيتنا: "ليس كل رغبة يجب أن تتحول إلى حق".

عزيزي المُربِّي، أقدم لك أساليب تربوية بالإمكان اتباعها في استخدام كلمة «لا»، وبالتالي يكون لها تأثير تربوي جيد، وهي:

  1. أن تكون كلمة «لا» واضحة دون صراخ أو إهانة.
  2. أن نشرح للابن سبب الرفض بما يتناسب مع عمره وفهمه.
  3. أن نفرق بين رفض التصرف ورفض الشخص، بحيث نقول: أنا أحبك يا ابني، ولكن هذا التصرف غير مقبول.
  4. أن نكون ثابتين في المواقف المهمة، فلا تكون هناك حدود اليوم ثم تُلغى غدًا بسبب بكاء الابن أو إلحاحه.
  5. أن يُمنح الابن مساحة للاختيار في الأمور التي يمكنه اختيارها، حتى يشعر بالاستقلالية دون أن يفقد الحدود والمسؤولية.
  6. ربط الحرية بالمسؤولية، فمن أراد مزيدًا من الحرية، فعليه أن يثبت قدرته على تحمل نتائجها.

بعد ذلك يستطيع الأبناء التعامل مع كلمة «لا» بالطريقة والأسلوب المعتادين. نعم، قد تكون هناك ردود فعل أولى غاضبة، وبكاء، أو حتى تصل إلى جدال ومحاولة للضغط على الوالدين. كل هذا أمر طبيعي، خصوصًا إذا كان الابن، كما ذكرت، معتادًا على الحصول على ما يريده. فالأفضل أن تستمع إليه وتحترم مشاعره، ولكن دون أن نتنازل عن المبدأ الصحيح لمجرد استخدامه تلك الأساليب. وبالتالي، من الممكن أن يكون الحوار كالتالي: نعم يا ابني، أفهم أنك غاضب لأنني رفضت طلبك، ومن حقك أن تشعر بذلك، ولكن قراري لن يتغير؛ لأنني أرى أن هذا الأمر ليس في مصلحتك.

هنا يتعلم الابن أحد الدروس المهمة في حياته، ويفهم أن مشاعره محترمة، وفي المقابل هي لا تعني أن له الحق في تجاوز حدوده مع أهله.

عزيزي ولي الأمر، تذكر ألا تجعل كلمة «لا» أسلوب تربية دائمًا، فإذا كثر استخدامها دون سبب، فإنِّها تجعل الابن يشعر بأنَّ والديه يُريدان السيطرة عليه، فيبدأ برفض كل توجيه، وتكبر لديه حالة العناد، وبالتالي تفقد السيطرة التربوية تجاهه. إذ إنَّ أسلوب التربية ليس في كثرة المنع، وإنما في وضع الحدود التي يتوجب على الأبناء فهمها.

عزيزي ولي الأمر، أؤكد لكم أهمية استخدام كلمة «لا» عندما يتعلق الأمر بالدين والقيم والأخلاق والسلامة من مخاطر الحياة والمُراهقة، وكذلك الاحترام والمسؤولية، وفي المقابل نترك مساحة يتحرك فيها الابن ويتعلم ويجرب ويخطئ ضمن حدود آمنة له.

وفي النهاية، كلمة «لا» التي نقولها لأبنائنا بحب اليوم، قد تكون سببًا في أن يقولوا لأنفسهم «لا» غدًا عندما تعرض عليهم الحياة بطريقة خاطئة.

 

الأكثر قراءة

z