وحدتنا الوطنية.. مسؤولية تبدأ من كلمة

 

 

 

 

محمد بن حمد البادي

mohd.albadi1@moe.om

في وطنٍ عُرف عبر تاريخه بالتسامح والتعايش، لا تبدو الوحدة الوطنية مجرد شعار يُرفع، بل قيمة راسخة ومسؤولية مشتركة تحمي المجتمع وتصون استقراره، وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية، لم تعد الكلمة مجرد تعبير عابر؛ فقد تتحول في لحظات إلى رسالة تؤثر في الآخرين، أو شائعة تشعل جدلًا، أو منشور يفتح الباب أمام الانقسام، ومن هنا، أصبحت مسؤولية الحفاظ على تماسك المجتمع تبدأ من الطريقة التي نقرأ بها ما يصل إلينا، ومن القرار الذي نتخذه قبل أن نضغط زر "نشر".

لقد راكم العُمانيون عبر أجيال متعاقبة إرثًا أصيلًا من التسامح والتعايش والتعاون والتكافل، وكان هذا الإرث؛ بما يحمله من احترام للتنوع وقبول للاختلاف؛ أحد مقومات تماسك المجتمع واستقراره، فاختلاف الناس في آرائهم وبيئاتهم وتوجهاتهم لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر للفرقة، ما دام يجمعهم انتماء راسخ إلى وطن واحد، ومصير مشترك، وقيم تحفظ للجميع حقهم في الاحترام والعيش الآمن.

ولهذا، فإن محاولات إثارة النعرات الطائفية أو المذهبية أو المناطقية تتجاوز حدود الخلاف العابر؛ لأنها تستهدف، في أثرها، الثقة المتبادلة التي يقوم عليها المجتمع، وقد تستخدم بعض الحسابات الوهمية أو المجهولة هذا النوع من الخطاب لنشر معلومات غير موثوقة أو محتوى استفزازي، مستفيدة من سرعة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ومن قابلية بعض المستخدمين لإعادة النشر قبل التحقق.

وقد تبدأ الحكاية بمنشور مجهول المصدر، أو صورة مبتورة من سياقها، أو مقطع قديم يُعاد تقديمه على أنه حدث جديد، ثم تنتقل المعلومة من حساب إلى آخر، ويتحول التفاعل معها إلى عاصفة هوجاء يصعب احتواؤها، وهنا تكمن أهمية الوعي الرقمي؛ فليس المطلوب من المستخدم أن يكون خبيرًا في التقنية، وإنما أن يمتلك قدرًا من الوعي يجعله يتوقف ويسأل: من نشر هذه المعلومة؟ ما مصدرها؟ ما الهدف منها؟ وهل يمكن التحقق منها قبل تداولها؟

والقاعدة الأهم في هذا السياق بسيطة وواضحة: توقف قبل أن تنشر، تحقق قبل أن تصدق، وفكر قبل أن تمنح الشائعة صوتًا جديدًا؛ فإعادة النشر ليست فعلًا محايدًا دائمًا؛ وقد تسهم المعلومة غير الصحيحة، إذا انتشرت على نطاق واسع، في الإساءة إلى أشخاص أو مؤسسات أو مجتمعات آمنة، وإثارة البلبلة، وزعزعة الثقة، والإضرار بالسلم الاجتماعي.

ومن المهم هنا أن ندرك أن مواجهة الشائعات لا تعني تحويل المواقع الالكترونية إلى ساحات للصدامات، أو الدخول في صراعات رقمية، أو الرد على الإساءة بالإساءة، بل تتطلب قدرًا أكبر من الهدوء والمسؤولية، فالتحقق من مصدر المعلومة، وعدم إعادة نشر المحتوى المشبوه، والإبلاغ عن المحتوى المخالف، والرجوع إلى المصادر الرسمية عند الحاجة، كلها ممارسات بسيطة، لكنها تشكل في مجموعها جدارًا صلباً من الوعي يحول دون اتساع دائرة الشائعة.

وفي بناء هذا الوعي، تتكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية والمجتمعية، كلٌّ بدوره؛ فالأسرة تغرس لدى الأبناء أخلاقيات التعامل مع الفضاء الرقمي، والمدرسة تنمي مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، والمؤسسات الدينية تؤكد المسؤولية الأخلاقية والشرعية للكلمة وخطورة نقل الأخبار دون تثبت، بينما تسهم وسائل الإعلام والمؤسسات المختصة في توفير المعلومات الموثوقة وتصحيح المعلومات المضللة وتعزيز الثقافة الرقمية لدى المجتمع.

ويظل الفرد، في نهاية المطاف، الحلقة الأكثر تأثيرًا في هذه المنظومة؛ لأن أي حملة توعوية، مهما كانت واسعة، لن تحقق أهدافها إذا لم تتحول إلى سلوك يومي، فالمستخدم هو من يقرر أن يشارك أو يمتنع، وأن يتحقق أو يتسرع، وأن يساهم في تهدئة النقاش أو يضاعف التوتر، ولذلك فإن الوعي الرقمي ليس مهارة تقنية فقط، بل هو سلوك وطني ومسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع.

وقد وضع الإسلام مبدأ التثبت من الأخبار في إطار واضح، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]. وهذه الآية تؤكد أن التعامل مع الأخبار مسؤولية، وأن التسرع في نقلها قد يفضي إلى ظلم الآخرين وإثارة الاضطراب والندم، ومن ثم، فإن الامتناع عن نشر الشائعة ليس موقفًا سلبيًا، بل ممارسة واعية تسهم في حماية الأفراد والمجتمع.

إن عُمان لا تستمد قوتها من مؤسساتها فحسب، وإنما من تماسك مجتمعها، ومن القيم التي تجمع أبناءها، ومن قدرتهم على إدارة اختلافاتهم بالحوار والاحترام.

 وفي عصر تتسارع فيه المعلومة قبل أن تتاح فرصة التحقق منها، تصبح المحافظة على هذا التماسك مسؤولية تبدأ من أبسط التفاصيل: من منشور نقرر عدم مشاركته، ومن معلومة نتحقق من مصدرها، ومن تعليق نختار أن يكون مسؤولًا ومحترمًا.

فلنحافظ على وطنٍ بناه أبناؤه عبر أجيال متعاقبة على قيمٍ راسخةٍ من التسامح والتعاون والتكافل، ولنحوّل وسائل التواصل الاجتماعي من مساحة يمكن أن تتسلل منها الفتنة إلى فضاء يعزز الحوار والوعي والاحترام، فالوحدة الوطنية أمانة، وحمايتها لا تبدأ من الآخرين؛ بل تبدأ من كل واحد منا، من كلمة يكتبها، ومعلومة يتداولها، وموقف يتخذه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z