أحمد بن حميد بن محمد الجهوري
في كل موقف قيادي، تأتي لحظة تحتاج فيها إلى كلمة حاسمة، وقد تحتاج في اللحظة نفسها إلى قلب يتفهم، وهنا يظهر الفرق بين قائد يملك السلطة وقائد يملك فن القيادة.
وقد يبرز سؤال مهم: هل الحزم يعني القسوة؟ وهل الرحمة تعني الضعف؟
القيادة الناضجة لا تضعك أمام هذا الخيار؛ فبإمكانك أن تكون حازما في المبدأ، رحيما في الأسلوب، واضحا في القرار، متفهما لمشاعر الآخرين.
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد جمعت آية واحدة بين الرحمة واللين، والعفو والمشاورة، ثم العزم واتخاذ القرار، فقال الله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159).
تأمَّل هذا البناء القرآني البديع؛ يبدأ بالرحمة واللين: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾، ثم العفو والاستغفار والمشاورة: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾، ثم تأتي لحظة الحسم: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾.
وكأنَّ الآية الكريمة ترسم للقائد طريقًا متوازنًا: قلبٌ رحيم، وأذنٌ تسمع، وعقلٌ يشاور، وقرارٌ يُحسم.
فالرحمة لم تمنع الحزم، والحزم لم يلغ الرحمة.
ولله در حافظ إبراهيم حين وصف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:
في طي شدته أسرار مرحمة // للعالمين ولكن ليس يفشيها
وبين جنبيه في أوفى صرامته // فؤاد والدة ترعى ذراريها
لقد اختصر الشاعر في هذه الأبيات صورة القائد الذي تجتمع فيه صرامة الموقف ورقة القلب؛ شدة في ظاهرها، ورحمة في جوهرها.
وهنا ينبغي أن نفرق بين الحزم والقسوة؛ فالحزم أن تثبت على المبدأ، وتعرف متى تقول نعم ومتى تقول لا، وتمتلك شجاعة اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته.
أما القسوة، فهي أن تتحول قوة القرار إلى إيذاء، أو تتحول الصرامة إلى إهانة، أو يصبح الخطأ سببا لكسر الإنسان بدلا من إصلاحه.
والتعاطف كذلك لا يعني التساهل؛ بل يعني أن ترى الإنسان خلف الموقف، فتفهم ظروفه وتحفظ كرامته، دون أن تبرر خطأه أو تتنازل عن المبدأ.
قد تصحح الخطأ دون أن تهين المخطئ، وقد ترفض طلبا دون أن ترفض صاحبه، وقد تطبق النظام دون أن تفقد إنسانيتك.
ولهذا تجد القائد المتزن يفرق بين الموقف والشخص؛ فقد يحتاج الموقف إلى حزم، بينما يحتاج الإنسان إلى رحمة.
وفي الأسرة والمدرسة والإدارة والتربية، تظهر قيمة هذا التوازن بوضوح؛ فالقسوة قد تصنع خوفا، والتساهل قد يصنع فوضى، أما الحزم المصحوب بالرحمة فيبني احتراما وثقة.
فكُن ثابتًا في المبدأ، مرنا في الأسلوب، واضحا في القرار، رحيما في التعامل؛ فالقائد الحقيقي ليس من يجعل الناس يخافون منه، ولا من يعجز عن اتخاذ القرار خشية مشاعرهم، وإنما من يعرف كيف يحفظ هيبة المبدأ وكرامة الإنسان في آنٍ واحدٍ.
تلك هي القيادة التي تحفظ النظام دون أن تخسر الإنسان.
قوة بلا قسوة... ورحمة بلا ضعف.
