كم تتحمل النفس من العناء في هذه الحياة؟ وكم تتألم بصمت؟ وكم تحتاج إلى أن تستعيد سعادتها بعد كل أزمة، وكل خيبة، وكل تجربة تركت أثرًا في أعماقها؟
رفقًا بأنفسنا أيها البشر؛ فالنفس البشرية ليست آلة تتحمل كل شيء، وليست حجرًا لا يشعر. إنها جزء من روح الإنسان، تحمل ذاكرته ومشاعره وتجربته، وتتشكّل معها شخصيته عبر سنوات الحياة.
فالإنسان يولد على الفطرة، ثم تبدأ الحياة في تشكيله. يولد ببداية نقية، ثم تأتي البيئة والتربية والأحداث والعلاقات والفقد والخذلان والنجاح والفشل؛ وكل تجربة تترك أثرًا، حتى يصبح الإنسان الذي نراه اليوم حصيلة حياة لم نكن جزءًا من تفاصيلها كلها.
ولهذا علينا أن نكون أكثر هدوءًا في تعاملنا مع أنفسنا، وأكثر رفقًا بالآخرين؛ لأننا لا نعرف ما الذي مرّ به الإنسان قبل أن يصل إلينا بهذه الصورة.
فكل إنسان له أنواؤه المناخية الخاصة.
هناك من عاش في بيئة هادئة، فنمت داخله الطمأنينة، وهناك من مرّ بعواصف متتالية، فتعلّم الحذر قبل أن يتعلم الثقة، وهناك من أمطرته الحياة بالخذلان حتى أصبح قليل الكلام؛ لا لأنه لا يشعر، بل لأنه شعر كثيرًا.
تتراكم التجارب في داخل الإنسان كما تتراكم الغيوم، ثم تهطل آثارها على شخصيته، فتظهر في طريقة تفكيره، أو صمته، أو غضبه، أو خوفه، أو حتى في هدوئه.
ولهذا قد يمر شخصان بالحدث نفسه، لكنهما لا يخرجان منه بالشكل نفسه؛ لأن لكل إنسان أرضًا مختلفة نشأ عليها، وتاريخًا خاصًا يحمله في داخله.
فلا تسأل دائمًا: لماذا أصبح هذا الإنسان هكذا؟
اسأل أولًا: ما الذي مرّ به حتى أصبح هكذا؟
فربما كان وراء قسوته خوفٌ قديم، ووراء صمته كلامٌ كثير لم يجد من يسمعه، ووراء ابتعاده تجارب جعلته يختار السلام على الاستنزاف.
وهنا تكمن حاجتنا إلى الوعي؛ فالوعي لا يجعلنا نعذر كل سلوك، لكنه يجعلنا نفهم الإنسان قبل أن نحكم عليه، ونفرّق بين الخطأ وصاحبه، وبين ما يفعله الإنسان وما صنعته فيه الحياة.
إن النفس البشرية تحتاج إلى الأمان بقدر حاجتها إلى الحب، وإلى الراحة بقدر حاجتها إلى النجاح. وبعد كل ما تعبره من عواصف، من حقها أن تجد لحظة سكينة، وأن تستعيد نفسها، وأن تصل إلى المساحة التي تشعر فيها أنها بخير.
لذلك، رفقًا بأنفسنا ورفقًا ببعضنا.
كل إنسان له قصة لا نراها، وروح تحاول أن تعيش بما بقي فيها من نور.
فلنكن أكثر رحمة في أحكامنا، وأكثر وعيًا في تعاملنا؛ فربما كان الإنسان الذي أمامنا لا يحتاج إلى حكم جديد، بل يحتاج فقط إلى من يفهم أن وراء شخصيته حياةً كاملة لم يرها أحد.
وفي النهاية، نحن جميعًا أبناء فطرة واحدة، لكن الحياة مرّت بنا بتجارب ومناخات مختلفة؛ ولذلك اختلفت ملامحنا، واختلفت طرقنا في مواجهة العواصف.
فلا تجعلوا من عواصف الحياة سببًا لعواصف جديدة في نفوس بعضكم… فالنفس، مهما بدت قوية، لها حدّ من الاحتمال، ولها حقّ في أن تعيش بسلام.
✍🏻 بقلم: أسماء باقوير 🇴🇲
