نور بنت محمد الشحري
منذ صغري، وأنا أراقب كيف تستقر الأشياء داخلي. تمر بي ومضات كثيرة؛ بعضها يعبر كأنه لم يكن، وبعضها يلتقطه الشعور، فيبقى معلقًا في الذاكرة، ينتظر لحظة أخرى تكشف معناه.
ولعل أكثر ما بقي في داخلي ذلك الشعور القديم بأنني ذرة في ملكوت.
أنظر إلى السماء، إلى هذا الاتساع الذي لا أكاد أكون فيه شيئًا، وأسأل نفسي: هل أنا أصغر مما أظن، أم أكبر؟
نعم... أنا أكبر.
ليس حجمًا، وإنما تكليفًا.
أنا محاسبة.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.
ومنذ وعيت معنى المسير، وأنا أرى نفسي ممسكة بطرف حبل، أصعد سفحًا مائلًا.
أركض... فقط أركض.
أتعثر، أنهض، وأواصل. لا أعرف كم بقي لي من السفح، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: ألا أترك الحبل.
وفي الطريق أرى من يمر بالعوائق كماء جدول؛ يلتف حولها ويمضي، وأرى من يشبه قطرة تصر على الصخر، تعود إلى موضعها مرة بعد مرة حتى يتغير.
لا لأن الماء أقوى من الصخر، بل لأن ما عجزت عنه القوة فعله الثبات.
ومثلي مئات يصعدون.
أرى بينهم وجوهًا ألفتها؛ أحزن لتعثرها وأفرح لصعودها. لا أحد يستطيع أن يحمل عني عناء صعودي، ولا أستطيع أن أحمله عنه، لكن يكفيني أحيانًا أن أعرف أن قلبًا آخر على هذا الجبل يتمنى ألا أسقط.
ويصبح المسير أهون حين يكون القلب معلّقًا بالله.
لا يستقيم السفح، ولا تختفي الصخور، لكنني أعرف بمن أستعين وإلى من ألجأ. آخذ بأسبابي وأمضي، ويسبقني الدعاء، وتحفني دعوات من أحبوني، وأستشعر بينها دعوات والديَّ؛ فلا أدري كم عثرة تجاوزتها بدعوة سبقتني إليها.
وقد أقف بينما يمضي الآخرون، فأظن أنني تأخرت، ثم أكتشف أن بعض الوقوف لم يكن خروجًا من الطريق؛ كان جزءًا من مسيري فيه.
فإن عجزت عن الركض، وقفت. وإن أعياني الصعود، استرحت. وإن لم أستطع أن أتقدم، بقي الحبل في يدي.
قد أتوقف... لكنني لا أترك الحبل.
لا أعرف أين ستكون خطوتي الأخيرة، ولا كم بقي لي من السفح.
ويبقى السؤال:
ماذا فعلتُ بالمسافة التي مُنحت لي بين أول خطوة وآخر خطوة؟
وأنا أركض...
حتى أبلغ يومًا أعلى الجبل، وأنظر إلى نصيبي الأخير من الدنيا:
لا قصرًا، ولا ملكًا، ولا مساحة واسعة...
شبر من الأرض.
عندها أفهم أن مكاني لم يكن يومًا بحجمي، وأن قيمة العمر لم تكن بطوله، ولا بكثرة ما جمعت فيه، بل بما صنعت في المسافة التي مُنحت لي؛ بقلب خفّ ألمه لأنني مررت به، ويد أمسكت بها حين تعثرت، وكلمة بقي خيرها بعد أن مضيت.
فما كان نصيبي من الدنيا أن أملك الجبل، بل أن أعبره، وأن يكون مروري فيه خيرًا.
أنا ذرة في هذا الملكوت...
فاللهم ثبّت قدمي في مسيري إليك، وثبّتني عند السؤال وعلى الصراط، واجعل مروري في هذه الدنيا خيرًا.
وعندما ينتهي نصيبي من المسير، وتتوقف قدماي عن الركض...
يسكن الجسد، وتعود الذرة للتراب.
