د. صالح الفهدي
روى لي أحد الثُقاة قصةً بليغةَ الدلالة عن الشيخ صالح بن عيسى الحارثي تعكس ما عُرف به العُمانيون من حفظ المقامات، وإنزال الناس منازلهم، وصيانة أقدارهم بما يليق بها من التوقير والاحترام.
فحينما زار الشيخُ صالح، السلطانَ سعيد بن تيمور في ظفار، أبدى رغبته للسلطان في رؤية ابنه قابوس. فقال له السلطان سعيد: «ستراه، ولكن لا تُظهر له احترامًا مبالغًا فيه، وعامله معاملةً عادية». وكان للسلطان سعيد في ذلك مقصدٌ تربوي وحكمةٌ أرادها في تنشئة ابنه وإعداده. ولمّا حانت لحظة اللقاء، رأى الشيخُ صالح قابوسَ عائدًا من تدريبات الفروسية، وحين ترجَّل عن خيله، استقبله الشيخ صالح الحارثي بما عُرف عنه من فِطنةٍ وحُسن سَمْتٍ، ورأى أن للمقام حقًّا لا ينبغي أن يُنقص، وأن لأهل الفضل والقدر منزلةً ينبغي أن تُصان؛ فأكرمه، وأظهر له من التبجيل والتقدير ما رآه جديرًا به. وبلغ السلطان سعيد بن تيمور ما صنع الشيخ صالح، فلم يعجبه أن يكون قد خالف ما أوصاه به، فعاتبه على ذلك. فكان جواب الشيخ صالح جوابًا رفيعا بليغا، إذ قال: «لَأَنْ تلومني على تقديرِ مَن يستحقُّ التقدير، خيرٌ من أن تلومني على التقصير في حقِّ مَن يستحقُّ التقدير».
لقد أبى الشيخ صالح بن عيسى الحارثي إلّا أن يُنزل قابوس بن سعيد منزلته التي رآه أهلًا لها، وإن لم يكن سلطانًا في ذلك الحين؛ فقد رأى فيه من شرف المقام، ونُبل السجايا، وأمارات الشخصية ما يستوجب التقدير والتبجيل. ولم يرَ الشيخ صالح أن في إظهار الاحترام له مبالغةً أو تكلُّفًا، وإنما رأى فيه وفاءً بحق المقام، ومعرفةً بقدر الرجل.
وقد جعلتُ هذه القصة مُفتَتَحًا للحديث عن خُلُق أراه من أجلِّ أخلاق السَّمت، وهو معرفة أقدار الناس وإنزالهم منازلهم التي يستحقونها؛ فالناس، وإن كانوا متساوين في أصل الكرامة الإنسانية، ليسوا سواءً في العلم، ولا في الفضل، ولا في التجربة، ولا في السابقة، ولا فيما قدموه لمجتمعاتهم وأوطانهم. ومن العدل أن يُعرف لصاحب الفضل فضله، وللعالم علمه، وللكبير سنُّه، ولصاحب السابقة سابقته، ولصاحب المقام مقامه، قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32]؛ فالتفاوت بين الناس في العلم والفضل والخبرة والمكانة سنةٌ من سنن الله، وليس انتقاصًا من أصل الكرامة الإنسانية، وإنما هو تمييزٌ في المواهب والأدوار والمقامات، يقتضي أن يُعرف لكل ذي فضل فضله، ولكل ذي مقام مقامه.
ولعل من أسباب بخس بعض الناس أقدارَ غيرهم أنهم لا يعرفون تاريخهم، ولا يدركون ما قدموه، ولا يحيطون بمكانتهم بين قومهم؛ فالجهل بأقدار الرجال كثيرًا ما يقود إلى إنزال الأعزة عن منازلهم. وقد يرى المرء أمامه رجلًا عاديًا في مظهره، وهو لا يعلم ما وراء ذلك المظهر من تاريخ، أو علم، أو أثر، أو مواقف، أو تضحيات، أو مكانة راسخة في نفوس الناس.
وقد علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأدب في مواقف كثيرة من سيرته، فحين أقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه، سيد الأوس، قال النبي صلى الله عليه وسلم لقومه: «قوموا إلى سيدكم». فأقرَّ له بمكانته بين قومه، وعلَّم أصحابه أن السيادة المستحقة لا ينبغي أن تُجحد، وأن توقير صاحب المقام ليس تملقًا، بل معرفة بالقدر وأداء للحق. وتروي السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى فاطمة بنته قد أقبلت، رحَّب بها، ثم قام فقبلها، ثم أخذ بيدها حتى يجلسها في مكانه".
وكان صلى الله عليه وسلم يعرف لأصحابه خصائصهم ومنازلهم، فيذكر فضل كل واحد بما امتاز به؛ فقال عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: «إن لكل أمة أمينًا، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح»؛ فسمَّى فضيلته وأظهرها للناس، ولم يرَ في الثناء على المستحق ما يدعو إلى إخفائه أو التقليل منه.
بل إن هذا الأدب النبوي تجاوز دائرة أصحابه إلى المخالفين له في الدين؛ فلمَّا كتب صلى الله عليه وسلم إلى هرقل خاطبه بقوله: «إلى هرقل عظيم الروم». لم يُقلِّل اختلاف العقيدة من إنصافه، ولم يحمله الخلاف على إنكار المكانة التي كان الرجل يتمتع بها بين قومه. وهنا درس بالغ الأهمية: أن الخلاف لا يُسقط الأقدار، وأن الإنصاف لا ينبغي أن يكون حكرًا على من نحب أو من يوافقنا.
فما أحوجنا إلى أن نُنزل أصحاب المقامات منازلهم التي يستحقونها؛ فالوجيه الذي عُرف بحُسن أثره بين قومه، والعالِم الذي أفنى عمره في العلم والتعليم، والأديب الذي أثرى الفكر والثقافة، وصاحب المرتبة الرفيعة في تخصصه، ومن بذل سنوات عمره في خدمة وطنه ومجتمعه؛ لكل واحد من هؤلاء مقامٌ أدبي ومنزلةٌ اجتماعية ينبغي أن تُعرف وتُصان.
وليس تقدير هؤلاء تفضُّلًا عليهم، ولا مجاملةً اجتماعية، وإنما هو اعتراف بالفضل، وإنصافٌ للجهد، ووفاءٌ لمن أعطى وأخلص وبذل؛ فالمجتمعات الراقية لا تنتظر رحيل أصحاب العطاء حتى تستحضر فضائلهم، وإنما تُشعرهم بقيمتهم وهم بين أبنائها، وتحتفي بعطائهم وهم قادرون على رؤية أثر ما صنعوا.
ثم إن تكريم أصحاب المقامات لا يقف أثره عندهم، بل يتحول إلى رسالة تربوية للأجيال؛ فعندما يرى الشاب أن العالم يُجلُّ لعلمه، والأديب يُكرَّم لعطائه، والمعلم يكرم جهده، والمخلص يُحتفى بخدمته، وصاحب الإنجاز يُرفع بإنجازه، يدرك أن للمجد طريقًا، وأن المجتمع لا ينسى من أعطاه، فينشأ فيه الطموح إلى أن يكون يومًا في منزلة أولئك الذين حازوا احترام الناس بما قدَّموه، وهكذا يصنع التقدير القدوات.
أما حين يُركن أصحاب الفضل جانبًا، ويُسوَّى بينهم وبين من لم يُقدِّم شيئًا، أو تُهمل تجاربهم، أو يُقلَّل من شأن عطائهم، فإن الضرر لا يقع عليهم وحدهم؛ بل تصل إلى الأجيال رسالة خفية مؤلمة مفادها: أن العطاء الطويل قد يُنسى، وأن سنوات البذل قد لا يكون لها وزن، وأن المجتمع قد لا يفرّق بين من أعطى ومن لم يعطِ، وهنا يكون الخذلان.
صاحب العطاء لا يطلب بالضرورة تصفيقًا حارًا ولا ثناءً مطولًا بقدر ما يحتاج إلى أن يشعر بأن ما بذله لم يذهب سُدى، وأن وطنه ومجتمعه يعرفان له قدره. وكلمة تقدير، أو تقديمه في مجلس، أو الاستماع إلى رأيه، أو الاحتفاء بتجربته، قد تكون أبلغ في نفسه من مكافأة مادية كبيرة؛ لأنها تقول له ببساطة: لم ننسَ ما صنعت.
ولهذا فإن إنزال الناس منازلهم ليس أدبًا فرديًا فحسب، وإنما هو ثقافة مجتمعية تحفظ رأس المال المعنوي للأمة؛ تحفظ للعلماء هيبتهم، وللأدباء مكانتهم، ولأهل الخبرة وزنهم، ولأصحاب المكارم فضلهم، وتقدمهم للأجيال نماذج حية تستحق الاقتداء.
والمجتمع الذي يرفع أصحاب العلم والفضل والعطاء إنما يعلن ـ من حيث يدري أو لا يدري ـ عن القيم التي يريد لأبنائه أن يسعوا إليها؛ لأننا حين نُكرم العالِم فإننا في الحقيقة نُكرم العلم، وحين نُجلُّ المخلص فإننا نرفع قيمة الإخلاص، وحين نحتفي بصاحب الإنجاز فإننا نزرع في نفوس الناشئة قيمة الإنجاز؛ فالتقدير ليس تكريمًا للماضي وحده، وإنما هو صناعةٌ للمستقبل أيضًا.
هنا تستعيد كلمة الشيخ صالح معناها الكبير: "لَأَنْ أُلامَ في تقدير مَن يستحق التقدير، خيرٌ من أن أُلامَ في التقصير في حق مَن يستحقه"؛ فهي ليست كلمةً في شخصٍ بعينه فحسب، بل قاعدة في الأدب: اعرف أقدار الناس، وأنزلهم منازلهم، ولا تجعل جهلك بقدرهم سببًا في انتقاصهم؛ فالأعزة لا تنقصهم نظرتك إليهم، ولكن نظرتك إليهم تكشف مقدار ما لديك من أدب وإنصاف.
