د. إبراهيم بن سالم السيابي
بعض الناس يجرحون القلب من الداخل، ليس لأنهم فعلوا شيئًا لا يُغتفر، وإنما لأنهم فعلوه في الوقت الذي نظن فيه أن مكانتنا عندهم مختلفة. وربما لا يكون الموقف كبيرًا في نظر من يسمع به، لكن بعض المواقف لا تُقاس بحجمها، وإنما بالشخص الذي جاءت منه.
نضع بعض الناس في مكانة لا نضع فيها كل أحد، ونظن أن لنا عندهم المكانة نفسها. لا يحتاج الأمر دائمًا إلى كلام كثير؛ فسنوات من المعرفة، ومواقف جمعت بين الناس، و«عيش وملح» مرّ بينهم، كافية لأن تجعل بعض الأشياء مفهومة من دون شرح. ولذلك حين يأتي موقف لم يكن متوقعًا، يبدأ الإنسان في مراجعة ما مضى، ويتساءل: هل كانت العلاقة كما ظنها، أم أنه منحها في قلبه مساحة أكبر مما كانت عليه في قلب الطرف الآخر؟
ومع ذلك، ليس كل موقف دليلًا على ظلم أو خذلان. فقد يخطئ أحد الطرفين، وقد يكون للآخر عذره، وربما رأى كل منهما الأمر من زاوية مختلفة، وربما لم يكن ما حدث أكثر من سوء فهم لم يجد طريقه إلى التوضيح. لذلك لا ينبغي أن تتحول لحظة واحدة إلى حكم على سنوات كاملة. لكن يبقى هناك فرق كبير بين أن يأتي الموقف من شخص عابر، وأن يأتي من شخص كانت له مكانة خاصة.
التصرف الذي قد يمرّ من إنسان لا تربطنا به علاقة عميقة، قد يترك أثرًا مختلفًا تمامًا حين يأتي من قريب. ليس لأن الإنسان يطلب معاملة خاصة، وإنما لأن القرب يصنع توقعات لا نصنعها مع الآخرين. وربما كان ما يؤلم أحيانًا ليس النتيجة وحدها، وإنما الطريقة التي وصلنا بها إليها. فقد يكون للإنسان حق في موقفه، وقد تكون له أسبابه، لكن كان يمكن للشيء نفسه أن يُقال بطريقة أخرى، أو أن يُتخذ الموقف دون أن يترك في النفس ذلك الأثر.
وهنا تعود إلى الذاكرة أشياء كثيرة لا علاقة لها بالموقف نفسه؛ مواقف قديمة، وكلمات قيلت في أوقات مختلفة، وأيام ومواقف جمعت بين الناس، وتفاصيل صغيرة لم يكن أحد يظن أنها ستصبح يومًا جزءًا من الذاكرة. فالعيش والملح ليسا مجرد عبارة نقولها، وإنما معنى يتكوّن مع الأيام، ويجعل الإنسان يظن أن بعض العلاقات أكبر من أن تتغير لمجرد أن الظروف تغيرت.
وقد تكشف بعض المواقف أن القرب عند طرف لم يكن بالمعنى نفسه عند الطرف الآخر. وربما يشعر الإنسان، في بعض العلاقات، أن مكانته ترتفع حين تكون له فائدة، ثم تتغير المسافة حين تنتهي الحاجة. لا يمكن الحكم على النيات، ولا يصح أن نفسر كل تغير في العلاقة على أنه مصلحة، لكن الشعور نفسه يبقى مؤلمًا حين يكتشف الإنسان أن ما حسبه عِشرة، ربما كان يُحسب عند غيره بطريقة مختلفة.
ومهما بدا الإنسان قويًا، يبقى في داخله شيء ينكسر أمام بعض المواقف. قد لا يظهر ذلك على الوجه، وقد تستمر الحياة بصورة طبيعية؛ عمل، وحديث، وضحك، ولقاءات، وكأن شيئًا لم يحدث. لكن بعض المواقف لا تنتهي بانتهاء لحظتها، بل تعود في أوقات الهدوء، حين يستعيد الإنسان تفاصيلها، ويحاول أن يجد لها تفسيرًا يطمئن إليه، وربما يلتمس للطرف الآخر عذرًا حتى لا تسقط الصورة القديمة دفعة واحدة.
بعض المواقف قد تُبكي العين، وبعض الناس قد يُبكون القلب، والفرق أن دمعة العين قد يراها من حولك، أما دمعة القلب فلا يراها أحد.
ومع مرور الوقت، يهدأ الوجع، وتخفت التفاصيل، وتعود الحياة إلى مجراها. قد تبقى العلاقة، وقد يبقى الشخص حاضرًا كما كان، لكن القلب لا يعود كما كان؛ شيء ما يتراجع إلى الخلف بهدوء، دون خصومة، ودون عتاب، ودون أن يعلن أحد ذلك. فقط يصبح الإنسان أكثر فهمًا لمكان كل شخص في حياته.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نندم على الثقة لمجرد أن أحدًا خيّبها. فالثقة ليست ضعفًا، وحفظ العِشرة ليس خطأ، والإنسان لا يستطيع أن يعيش وهو يضع كل من حوله تحت الاختبار. إنما تعلّمنا التجارب أن المكانة التي يمنحها القلب ليست بالضرورة هي المكانة التي يمنحها الطرف الآخر، وأن الصورة التي احتفظنا بها عن بعض الناس سنوات قد تتغير حين تكشف لنا الأيام جانبًا لم نكن نراه.
وربما لا يحتاج الأمر في النهاية إلى قطيعة أو عتاب طويل. يكفي أن يفهم الإنسان ما حدث، وأن يعرف أن لكل علاقة مكانها الذي تستحقه، دون خصومة ودون إساءة. فبعض الناس يخطئون، وبعض العلاقات تتغير، وليس كل ما يتغير يفقد معناه. يكفي أن نأخذ من الأيام ما يستحق أن يبقى، ونترك ما أثقل القلب يمضي معها.
وربما لهذا لا يكون بعض الناس مثل غيرهم. يدخلون القلب من باب لا يُفتح لكل أحد، وتبقى لهم فيه مساحة لا تمنحها الأيام بسهولة. وحين يأتي الوجع من جهتهم، لا يؤلمنا ما حدث بقدر ما يؤلمنا أن المكان الذي كان آمنًا في داخلنا لم يعد كذلك. قد تبقى الوجوه، وتبقى الأسماء، وقد تبقى العلاقة على صورتها أمام الآخرين، لكن شيئًا خفيًا يتغير في الداخل؛ شيء لا يُقال، ولا يحتاج إلى إعلان، فقط يعرف القلب أن بعض الأماكن حين تتغير، لا تعود إليها الأشياء كما كانت.
في الختام، بعض الناس لا يخرجون من حياتنا، لكنهم يخرجون من المكان الذي وضعناهم فيه. وربما كانت تلك هي المسافة التي لا يراها أحد، لكن القلب يعرفها جيدًا.
