عندما نقرأ التاريخ من برج عاجي

 

فوزي عمار **

 

تابعتُ برنامج "فصل المقال" على قناة العربية، لوزير الإعلام الكويتي الأسبق سامي النصف، الذي وجّه نقدًا ذاتيًا للعرب رافضًا تحميل الاستعمار كل الفشل، متوقفًا عند رفض المُفتي أمين الحسيني لتقسيم فلسطين عام 1937.

استعرض الوزير كيف أن ورقة باسفيلد البيضاء (1930) التي قيدت الهجرة اليهودية، أُلغي مضمونها برسالة ماكدونالد (1931) التي صيغت بضغط صهيوني؛ حيث اعترف وايزمان لاحقًا بتلقيه مسودة الرسالة لتعديلها. ثم جاءت لجنة بيل (1937) لتقترح تقسيم فلسطين، مانحة اليهود 10% من المساحة، مع تهجير أكثر من 200 ألف فلسطيني، مع بقاء القدس تحت الانتداب. رفض العرب التقرير جملةً، بينما انقسم الصهاينة، لكن وايزمان وبن غوريون قادا قبولًا مبدئيًا للخطة كأساس للتوسع لاحقًا، وهو ما تحقق بعد 1948، بينما تراجعت بريطانيا عن الخطة لاحقًا بسبب الحرب والثورة.

يرى الوزير أن السؤال المشروع هو: هل أخطأ الحسيني برفضه التقسيم بينما نجح وايزمان بدهائه؟ ولكنه يستدرك أن وايزمان كان عالمًا غربيًا (كيمياء عضوية) استغل علاقاته بلندن، بينما كان الحسيني رجل دين تقليديًا يعتمد على الخطاب الجماهيري في مجتمع شرقي.

هنا يطرح المدافعون عن الحسيني نقدًا جوهريًا على طرح الوزير في عدة نقاط:

تحميل الضحية مسؤولية هزيمتها، فالحسيني لم يلعب من موقع ندّ، بل واجه احتلالًا عسكريًا ومشروعًا استيطانيًا مدعومًا من أقوى إمبراطورية في العالم، والمقارنة مع وايزمان غير عادلة كمن يقارن لاعب شطرنج يمتلك كل القطع بآخر لا يملك سوى بيدق.

إن تجاهل السياق الاستعماري، فالتقسيم لم يكن دولة عربية قابلة للحياة، بل جيوبًا متقطعة مع هيمنة بريطانية على القدس وأفضل الأراضي الساحلية، أي أنه كان فخًا استعماريًا يضمن استمرار الهيمنة وليس حلًا عادلًا.

والمغالطة في المقارنة العلمية، فطرح الوزير قدّم خلفية وايزمان العلمية كميزة مُطلقة، متجاهلًا أن الحسيني امتلك أدواته الخاصة: المكانة الدينية والشرعية الجماهيرية والقدرة على تحريك الشارع العربي، وهي نقاط قوة في سياق مجتمع شرقي يواجه استعمارًا غربيًا، كما أن تقييم الحسيني بمعايير غربية الدهاء الدبلوماسي يتجاهل أن معركته كانت جماهيرية وليست صالونات سياسية.

كما أن الوزير تجاهل دور بريطانيا في إفشال الحسيني، فهي عملت بشكل منهجي لتقويض موقفه بمنعه من التواصل مع القوى العربية، وتجنيد عملاء ضده، ودعم خصومه المحليين، ثم يُسأل لماذا لم ينجح وكأنَّه لعب في ملعب نظيف.

وقد وَقَعَ الوزير الكويتي "سامي النصف" في الاختزال الخاطئ لموقف الحسيني، فرفضه لم يكن تصلبًا غير واقعي، بل كان مفهومًا وعقلانيًا، لأن التقسيم لم يكن مجرد تقليص للمساحة، بل يعني تهجير 225 ألف فلسطيني اعترف بهم تقرير بيل، فكيف يوافق قائد وطني على تهجير ربع مليون من شعبه؟ هذا ليس خطأً؛ بل خيار أخلاقي وقانوني.

النظرة الأحادية للنصر والهزيمة نظرة قاصرة؛ فالطرح ينظر لنجاح وايزمان في إقامة دولة، بينما تجاهل أن الحسيني نجح في ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية ومنع الاعتراف العربي بالكيان الصهيوني لعقود، فالمقاومة أثبتت أن المشروع الصهيوني لا يمكن أن يحظى بشرعية عربية أو إسلامية.

ثم تأتي المفارقة التاريخية الكبرى؛ إذ إن بريطانيا نفسها تراجعت عن توصيات بيل بعد عامين، مما يثبت أن التقسيم لم يكن حلًا بل مناورة تكتيكية، فلو قبل الحسيني لخسر أرضه ومصداقيته معًا، ورفضه كان صفعة أثبتت أن الفلسطينيين ليسوا أدوات بيد الاستعمار.

طرح الوزير "سامي النصف" يقرأ التاريخ من منظور المنتصر (واقعية وايزمان) ويتجاهل أن النصر الصهيوني لم يأتِ بدهاء فرد، بل بدعم بريطاني وأممي ساحق، وبموارد مالية وتنظيمية هائلة افتقدها الفلسطينيون. أما الحسيني فكان ضحية في ملعب غير متكافئ، يمثل شعبًا أعزل وقضية عادلة. بدلًا من اتهامه بالخطأ، كان الأجدر أن نسأل: لماذا لم تحمِ بريطانيا حقوق الفلسطينيين؟ ولماذا تعاملت القوى العظمى مع فلسطين كملكية خاصة تُقسّم وفق مصالحها؟ الحسيني لم يكن يلعب شطرنجًا، بل كان يخوض معركة وجود ضد إمبراطورية، وفي هذه المعركة لا يُسأل الضحية لماذا لم يربح، بل يُسأل المعتدي لماذا اعتدى.

** كاتب ليبي

الأكثر قراءة

z