عبدالنبي الشعلة
لم تكن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام مناسبة عادية لتبادل الخطب الدبلوماسية. فقد وصلت أزمات منطقتنا إلى المنصة الدولية محمّلةً بأسئلة تتجاوز حدودها: أمن الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومصير الدول التي دفعت ثمن تحويل أراضيها إلى ساحات صراع. وفي قلب هذه الأسئلة تقف إيران أمام امتحان لا يكفي لاجتيازه أن تُبدّل لغة خطابها، بل يتطلب أن تُبدّل سلوكها.
لقد أصبح مضيق هرمز مثالًا صارخًا على خطورة ربط أمن العالم بموازين المواجهة السياسية. فحين تتعطل الملاحة أو تصبح مهددة، لا تتوقف التداعيات عند صادرات النفط والغاز، ولا عند الدول المطلة على الخليج. إنها تصل إلى كلفة النقل والتأمين، وأسعار الطاقة والغذاء، ومصالح دول لا علاقة لها بأسباب النزاع. ومن حق إيران، شأن أي دولة، أن تدافع عن أمنها ومصالحها؛ لكن لا يجوز أن يتحول ممر حيوي للاقتصاد العالمي إلى ورقة ابتزاز ومساومة تُحمَّل كلفتها لشعوب المنطقة والعالم.
ولا يمكن، في الوقت نفسه، اختزال أزمة المضيق في طرف واحد. فالعمليات العسكرية والضغوط المتبادلة تزيد احتمالات التصعيد، وقد تجعل كل خطوة مشروطة بخطوة مقابلة. غير أن هذا التعقيد لا يعفي طهران من مسؤوليتها عن ضمان حرية الملاحة، ولا يعفي الأطراف الأخرى من واجب تهيئة سبيل جاد لخفض التوتر. والمطلوب ترتيبات واضحة ومستقرة تتيح عبور السفن بأمان، بدل إبقاء حركة التجارة رهينةً لكل جولة تفاوض أو مواجهة.
وفي الملف النووي، تملك إيران حق الاستخدام السلمي للطاقة النووية وفق التزاماتها الدولية. لكن هذا الحق يرتبط بواجب الشفافية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. والمشكلة اليوم أن الوكالة تقول إنها لا تملك المعلومات وإمكان الوصول اللازمين للتحقق من الوضع الراهن لمخزون اليورانيوم المخصب وبعض الأنشطة والمنشآت. وهذه فجوة خطيرة لا تُغلق بفتاوى دينية أو بمجرد تأكيدات سياسية، مهما تكررت، وإنما بعودة التفتيش الفعّال وتقديم البيانات التي تمكّن المفتشين من أداء عملهم. كما أن القلق المشروع من هذا الغموض لا يبيح القفز إلى ادعاءات لا تسندها الأدلة المتاحة.
أما في الساحات العربية، فقد برز من فوق منصة الأمم المتحدة صوت لبناني واضح. تحدث رئيس الوزراء نواف سلام عن استعادة الدولة قرارها الوطني، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بمؤسساتها، ورفض أن يصبح لبنان ورقة مساومة وتفاوض في أيدي الآخرين. وطالب، في الوقت نفسه، بوقف الحرب وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية. وهذه عناصر متكاملة للسيادة اللبنانية؛ فلا يستقيم الدفاع عنها في مواجهة تدخل خارجي وتجاهلها في مواجهة احتلال أو اعتداء آخر.
وقد أعلن سلام تضامن لبنان مع دول الخليج في مواجهة الاعتداءات الإيرانية التي تهدد أمن المنطقة والملاحة البحرية. وتكتسب كلماته أهميتها لأنها صدرت من بلد عرف، على مدى سنوات، ما يعنيه أن تتداخل حسابات القوى الإقليمية مع قراره الداخلي. وهي تذكير بأن مستقبل لبنان يجب أن يقرره اللبنانيون عبر دولتهم ومؤسساتهم، وأن يكون أي اتفاق بشأن أمنه قائمًا على إرادتهم، لا على مقايضات تُعقد فوق رؤوسهم.
لقد غيّر سقوط نظام بشار الأسد موازين النفوذ في سوريا، وألحقت الحروب والمواجهات أضرارًا بالغة بقوى ارتبطت بطهران في المنطقة. لكن من الخطأ افتراض أن تراجع بعض أدوات النفوذ يعني زوالها، أو أن إيران فقدت القدرة على التأثير. والسؤال الأهم هو ما إذا كانت القيادة الإيرانية ستقرأ هذه التحولات باعتبارها فرصة لمراجعة سياسة التدخل والمواجهة، أم سببًا للتشبث بها، ولو ارتفعت كلفتها على الشعب الإيراني وجيرانه.
وخلال اجتماعات نيويورك، ظهرت من طهران إشارات إلى الاستعداد للدبلوماسية، مقرونة بشروط تتعلق بالضغط العسكري والحصار. ويمكن النظر إلى هذه الإشارات بوصفها نافذة محتملة للتسوية، لكن قيمة أي اقتراح تُقاس بما يمكن تنفيذه والتحقق منه: فتح الملاحة بصورة آمنة ومستدامة، والتعاون الكامل مع الوكالة الذرية، واحترام سيادة الدول وحقها الحصري في تقرير شؤونها. أما تكرار الوعود من دون خطوات ملموسة، فلن يعيد الثقة التي استُنزفت خلال سنوات طويلة.
يواجه النظام الإيراني، بلا شك، ضغوطًا عسكرية واقتصادية وسياسية جسيمة، وللشعب الإيراني مصلحة أولى في ألا تستنزف موارده ومستقبله مواجهات جديدة. لكن التنبؤ باستسلام النظام أو انهياره السريع ليس سياسة تُبنى عليها مواقف الدول. فقد تدفعه الضغوط إلى تفاوض جاد، وقد تدفعه إلى مزيد من التشدد. وفي الحالتين، على دول الخليج أن تتمسك بأمنها ووحدة موقفها، وأن تدعم كل مسار دبلوماسي يفضي إلى نتائج قابلة للتحقق.
إن الرسالة التي ينبغي أن تسمعها طهران من جيرانها ومن العالم بسيطة: لا أحد يريد حربًا أخرى، ولا يُطلب من إيران أن تتخلى عن مصالح شعبها. المطلوب أن تكفّ عن جعل أمن الآخرين وممرات تجارتهم وقرارات دولهم أدواتٍ في صراعاتها. فإذا أرادت أن تفتح صفحة جديدة، فلن تُفتح بخطاب يُلقى من أعلى منبر دولي، بل بأفعال يلمسها جيرانها، ويستطيع العالم التحقق منها.
