خطوات نحو إصلاح التعليم العام (2)

 

 

 

 

◄ من المعدل الواحد إلى 3 معايير: نظام قبول عادل للطلبة

 

 

علي بن حبيب اللواتي

 

بعد أن هيأنا الطالب في المدرسة عبر إيجاد مسارات واضحة أمامه فيختار الأنسب إليه؛ حيث الرغبة والشغف والقدرات في الجزء الأول، يبقى هناك تحدٍ أكبر أمام الطالب: كيف تتم عملية اختيار التخصص الجامعي العادل الذي يحترم قدراته وشغفه؟

اليوم نرى بأن الاعتماد الكلي مبني على نسبة الدبلوم العام الذي حوّل التعليم من الرغبة والطموح إلى سباق درجات قاسٍ غير منصف، فهو قد تجاهل الفروق الفردية والميول والقدرات بين الطلبة. 

فأوجد بذلك مساحة واسعة فيها ظلم للطلبة الأذكياء وأصحاب القدرات والطموح العالي الذين حالت ظروفهم دون الحصول على معدل مرتفع رغمًا عنهم.

فكانت النتيجة: قبول في تخصص غير متوافق تمامًا مع رغبته وشغفه وقدراته لدى أغلب هؤلاء الطلبة، وكذلك زادت نسبة الإخفاق والرسوب، والتسرب، وتغيير التخصص في السنة الأولى.

وهذا كله ألا يعتبر استنزافًا آخر للمال العام، وعدم إدارة "الموارد البشرية للوطن" بكفاءة عالية، أليس كذلك؟

لذلك، واستكمالًا لمحور "الإنسان والمجتمع" من رؤية عُمان 2040، نقدم المقترح الثاني: (إعادة هندسة نظام القبول الجامعي).

أولًا: تشخيص المشكلة

إن تحويل القبول إلى معيار واحد وهو "المعدل" أنتج مخرجات غير متوافقة مع سوق العمل. وكمثال للتوضيح: طالب مبدع في البرمجة، ولكنه ضعيف في مادة الأحياء ومادة بعيدة عن شغفه لم يتمكن من دخول قسم علوم الحاسوب والبرمجيات والذكاء الاصطناعي، بسبب ضعف المعدل العام الذي تأثر بتلكم المادتين. 

وكذلك طالب آخر متميز في الأحياء والعلوم لم يحصل على معدل يؤهله لدخول تخصص الطب الذي يرغب به بشغف عالٍ لضعفه في الفيزياء والرياضيات وتطبيقات الجذر التربيعي!

فتكون النتيجة: إحباط لهؤلاء الطلبة، وتبديلهم لرغبتهم وشغفهم بالتخصص، وهدر لسنوات دراستهم، ونجاح فاتر بعيدا عن الطموح.

ألا يعتبر هذا أولًا خسارة عظيمة للموارد البشرية للوطن الغالي، وثانيًا هدر للموارد المالية، وثالثًا ضياع لزمن قد عقد عليه الأمل؟

ثانيًا: النظام الوطني متعدد المعايير:

لنسأل: ما هو النظام العادل والمتكامل لاختيار التخصص والقبول الجامعي العادل للطالب؟

الحل يكمن بتطبيق المقترح الوطني: (النظام الوطني للقبول المتعدد المعايير)؛ حيث يقيس قدرات الطالب من 3 جوانب قبل تحديد مستقبله، كالآتي:

1. التحصيل الأكاديمي: المعدل التراكمي يحسب بنسبة متوازنة ضمن معادلة القبول.

2. اختبارات القدرات والميول: لقياس التفكير التحلي وحل المشكلات، وكذلك اختبارات تكشف المجال الأنسب لشخصية الطالب.

وتدار اختبارات القدرات والميول من خلال مركز وطني متخصص تابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، ويتم عقدها إلكترونيًا مرتين في السنة، وتكون نتائجها معتمدة لمدة سنتين، بهدف تخفيف العبء المادي على الطلبة وأولياء الأمور.

3. المقابلات الشخصية: لجان متخصصة تقيس الشغف ومهارات التواصل والاستعداد النفسي والقدرات الأولية للطلبة.

ولضمان العدالة والشفافية، تجرى المقابلات الشخصية عبر لجان مركزية موحدة في الجامعات والكليات، بمعايير واضحة ومعلنة، حيث يتم تدريب أعضاء اللجان وتقييم أدائهم دوريًا، مع إتاحة فرصة التظلم الإلكتروني لأي طالب يشعر بعدم الإنصاف.

ثالثًا: الإجراءات الداعمة:

هناك عدة إجراءات داعمة لتطبيق نظام القبول المتعدد المعايير أعلاه:

1. المقاعد الموزونة: يتم تخصيص 80% من مقاعد كل تخصص لخريجي المسار المرتبط به. 

2. بنك بيانات وطني للميول: يتم إنشاء منصة تبدأ من الصف التاسع تقترح المسارات الأنسب بناءً على بيانات الطالب.

3. توفير فرصة للمراجعة: عبر إتاحة إعادة تقييم الطالب بعد السنة الأولى في حال تغيرت ميوله أو لم يتوافق مع التخصص، مع ضوابط محددة.

4. ربط القبول بسوق العمل: لابد من نشر قائمة سنوية بالتخصصات المطلوبة وإعطاء أولوية وحوافز للملتحقين بتلك التخصصات.

ومن التجارب الدولية الناجحة، نذكر:

- جمهورية الصين؛ حيث اعتمدت على تطبيق "اختبارات القدرات" في القبول، الذي ساهم كنتيجة نهائية في تقدم مستوى جامعاتها في التصنيفات العالمية.

- جمهورية فنلندا: استمرار "تأهيل المعلم" طوال مدة خدمته، وإلغاء الاختبارات الموحدة، مما جعلها من الدول الرائدة في تنفيذ "البرنامج الدولي لتقييم الطلبة".

- جمهورية ألمانيا: قامت بتطبيق نظام "التعليم المزدوج" بين المدرسة والشركة الذي ساهم في خفض بطالة الشباب ورفع توظيف الخريجين بسرعة ودقة في الشركات.

هذه النماذج تؤكد أن العامل المشترك للنجاح هو: إعطاء الطالب الخيار مبكرًا، وتمكين المعلم، وربط المدرسة بالسوق.

ومما ذكر أعلاه، نرى بأن مستقبل التعليم لا يتحقق إلا بمسارين متوازيين: مسارات دراسية متنوعة تحترم اختلافات الطلبة بقدراتهم وميولهم النفسية والبدنية، ونظام قبول عادل يختار على أساس الكفاءة والشغف. 

 

وتحقيق ذلك يعتبر من أهم الركائز الأساسية للاستثمار في الإنسان العُماني ضمن رؤية عُمان 2040 الطموحة.

لنتخيل طالبًا مبدعًا في البرمجة لكنه سقط في مادة الأحياء، ما مصيره في نظام المسار الواحد؟ 

أما إذا دخل مسار التقنية من الصف العاشر لأصبح مطور تطبيقات ماهر وهو بعمر 18 سنة؛ حيث سيكون طاقة واعدة مبتكرة في خدمة الوطن؟

والسؤال الآن: هل نراهن على قدرات أبنائنا ونطلق طاقاتهم، أم نبقيهم أسرى لمعادلة واحدة؟

اللهم يسر لعُماننا الحبيبة في رؤية وبناء مستقبل لأجل الوطن.

الأكثر قراءة

z