د. عبدالله باحجاج
قرأتُ مقالًا للأخ العزيز زاهر بن سيف بن سلطان المسكري المعنون "من مسقط إلى تابورا.. حين عاد النور إلى موضعه" والمنشور في جريدة الرؤية في 12 أغسطس 2026، وهو أقرب إلى أدب الرحلات التأملي/ التاريخي، وأحيانًا أراه في منطقة بين أدب الرحلات والمقال الثقافي والتأمل التاريخي والسرد الحضاري؛ بل يحتمل تصنيفه ضمن أدب الرسالة.
الأخ زاهر نقدمه هنا كرحّال ورُبان ومُعرِّف بالإسلام مُتخصِّص في مركز التعريف بالإسلام التابع لجامع السلطان قابوس الأكبر، ولن نتناول مقاله من حيث المعلومات رغم أهميتها، وسنترك الاستمتاع بقراءته عبر الموقع الإلكتروني لجريدة الرؤية (https://alroya.om/p/392281) وسنُركِّز على اكتشافات رحلته وانكشافاتها، وماذا يريد أن يقوله؟ وماذا على مجتمعه القيام به؟ فقد خرج من رحلته برسائل عديدة من منظور الثنائية التالية "عُمان الوطن وعُمان الأثر".
- عُمان الوطن: هي التي ننتمي إليها كعُمانيين "جغرافيًا وسياسيًا وتاريخيًا".
- عُمان الأثر: عُمان التي خرجت من حدودها إلى شرق أفريقيا، وتركت اثرًا في الإنسان والمكان والذاكرة إلى يومنا، رغم التحولات السياسية في القارة الأفريقية.
وكل من يقرأ المقالة يخرج منها بدعوة من المسكري بإعادة تصويب النظر إلى شرق أفريقيا، ليس باعتبارها مساحة من الماضي، وإنما باعتبارها جغرافيا سياسية يمكن أن تستأنف بلادنا فيها رسالتها الإنسانية والثقافية، وتعميق علاقاتها الاقتصادية، ونلمس في كل أطوار المقالة تساؤلا استراتيجيا للمسكري وهو، كيف يستجيب وطن اليوم لذاكرة أثره في الخارج؟
وقد توقفت عند الكثير من العبارات التي تفتح نوافذ عميقة الدلالات والخلفيات، وكل واحدة منها تنفتح منها أشياء لم تكن ظاهرة من قبل- كمعلومة- فهناك اكتشاف لعلاقة المكان بعُمان، وانكشاف عميق لما تركه الإنسان العُماني في وجدان وواقع البشر، واكتشاف وانكشاف لعُمان اليوم تجاه أثر في شرق أفريقيا.
لذلك.. فهي رحلة رحالة بفلسفة مبتكرة، لم يجعل السؤال أين أجد عُمان؟ بل جعل كل رحلته تكشف له عُمان حيث لم يتوقعها. ويا له من تصوير عميق عندما يقول حرفيا "لم أكن أبحث عن عُمان، لكنني كنت أجدها"، لم يجدها في القصور والأسواق والموانئ، وإنما كذلك في الإنسان في الثقافة والأسماء والعائلات والمساجد والمدارس وذاكرة لا تزال تحتفظ بصورة العُماني الذي جاء إلى أفريقيا لا بوصفه غريبًا عنها، بل شريكا في صناعة الحياة. ويستطرد قائلا في اكتشافاته: "كانت المفاجأة الأكبر أن آثار ذلك الحضور لا تقف عند زنجبار ودار السلام، بل تمتد عمقًا في الداخل حتى تابورا، وإيجونجا، وشينيانجا، وموانزا، وكيجوما، وغيرها من المحافظات والولايات في البر التنزاني".
وقد رافق الرحّالة في رحلته 3 من الشباب العُمانيين، أحدهم من أحفاد عالم عُماني ترك في أفريقيا أثرًا، يقول عنه الرحالة المسكري إنه يستحق أن يعاد اكتشافه، إنه العالم المُربِّي الشيخ حمود بن حميد البرطماني، الذي كان له مجلس باسمه. يقول عنه الرحالة إنه لم يكن مغلقًا على قوم أو لون أو وطن، ويأتيه الناس من عدد من الدول الأفريقية مثل: رواندا وبوروندي وملاوي وجنوب السودان وأوغندا والكونغو، وكينيا والصومال، ومن مناطق أخرى من شرق أفريقيا. وعن مدى حضور العالم البرطماني في القارة الأفريقية بعد عودته إلى عُمان الوطن من عُمان الأثر عام 1982 ما رواه صوماليٌ له عن تأثير غياب العالم البرطماني على أفريقيا عندما رحل عائدًا إلى وطنه؛ حيث قال عنه "لقد أظلِمَت كل أفريقيا"، وما كان منه إلّا أن سقطت دموعه فورًا. وهذه شهادة شفوية تكشف مقدار حضور العالم البرطماني في الذاكرة الشعبية الأفريقية لدى من عرفوه أو أورثوا قصته. وكان البرطماني مضيافًا ومهابًا في الدولة، يؤخذ بقوله، ويُعتد بمشورته، وكان مرجعًا للحكومة التنزانية والعُمانية في آنٍ واحدٍ.
ودموع الصومالي أكبر الاستدلالات على المعنى العميق للعنوان الذي عنونَّا به هذا المقال "من عُمان الوطن، إلى عُمان الأثر.. البرطماني وحفيده"؛ فهنا أثر بوزن وطن، فعُمان الوطن، وعُمان الأثر ليستا عُمانيْن منفصلتين؛ بل وجهان لتاريخ أمة واحدة متعددة الهويات والجغرافيا. ومن هنا يتجلى لنا فهم آخر لمقولة الرحالة سالفة الذكر "لم أكن أبحث عن عُمان، لكنني كنت أجدها"؛ فهو لم يكن يبحث عن عُمان في تنزانيا، لأنه كان يكتشف أن عُمان لم تكن محصورة في جغرافيتها.
ومن أعمق اكتشافات الرحّالة المسكري، وأشدها دلالة أنه لم يكتشف فقط ما بقي من عُمان في شرق أفريقيا فحسب، بل اكتشف أيضًا ما انقطع عنها، وما نجم عن هذا الانقطاع من مآلات طرأت على الوجود الإنساني والعلمي والروحي، وكم لمستُ في مقاله حجم تأثره ببعض المآلات؛ فمثلًا، من الصور التي هزّته في رحلته أن يبقى اسم محمد بينما لا يعرف صاحبه شيئًا عن فاتحة الكتاب، وقد يبقى اسم عبدالله بينما لا يعرف صاحبه كيف يتوضأ، وقد يجد المسجد قائمًا بينما لا يعرف أهل القرية كيف يؤدون الصلاة، كما يضعنا في مشاهد أكثر ألمًا، كقوله "أماكن كانت في يوم ما بيوتًا للصلاة والتعليم، ثم أخذ منها الزمن بعض وظيفتها". ويستطرد قائلًا "وأصبح المسجد في بعض المواضع لا يُستدعى إلا عندما يأتي الموتى... إلخ". وهذه صور كثيرة استدل بها رحّالتنا لعكس التحولات الراديكالية التي وقعت في عُمان الأثر، وقد نقلها إلى عُمان الوطن بلهجة صريحة وواضحة ومباشرة.
وفي إحدى رسائله لأهل عُمان يقول: "ربما لا نحتاج أفريقيا اليوم إلى أن نخبرها كثيرًا عمَّا فعل أجدادنا، يكفي أن ترى ما سنفعله نحن، فإن كان أجدادنا قد عبروا البحر بالسفن، فليعبر أبناؤنا البحر بالعلم،" ويضيف قائلًا ".... وإن كانوا قد تركوا المساجد، فليعيد أبناؤنا إليها الحياة، وإن كانوا قد شاركوا في صناعة جسور التواصل بين الشعوب، فليواصل أبناؤنا بناء الجسور بلغة العلم والرحمة والتنمية والشراكة".
يا لها من مفارقة مؤلمة تعيشها عُمان الأثر، وحسرة وندم من أبناء عُمان الوطن، ويرجع الرحّالة ذلك إلى انقطاع السلسلة العُمانية التي كانت تصل العلم بالإنسان، وتكشف في الوقت نفسه مسؤولية عُمان الوطن تجاه عُمان الأثر، وهنا نجد أنفسنا في انكشافات واكتشافات الرحالة المسكري أمام ثلاثية ذات رمزية عالية نستنطقها كالآتي: العالم المُربِّي الشيخ البرطماني إنشاء السلسلة، والحفيد اطلع على انقطاعها، ورحّالتنا يكشفها ويدق ناقوس الخطر على ما تبقى منها، ويبعث برسائل في عدة اتجاهات داخل عُمان الوطن، تحمل كلها معنى واحداً وهو: إذا كانت عُمان الأثر قد فقدت بعض سلاسلها العلمية والتربوية والروحية، فهل تستطيع عُمان الوطن أن تساعد في وصل ما انقطع في عُمان الأثر؟ ليس من أجل استعادة الماضي، وإنما لاستدامة التواصل الإنساني العلمي والثقافي وصناعة جيل جديد من المعرفة والإنسان.
وأرى أنَّ هذا التساؤل معنيٌّ به أولًا المجتمع المدني العُماني؛ فهو أهم أدوات وصلها من جديد، فهو المؤسس والعالِم البرطماني نموذجًا، وهو حديثًا كذلك يمكن أن يشكل الفارق- أي المجتمع المدني- فهو الآن بمثابة الذراع الإنسانية لعُمان الأثر، ونُعوِّل عليه كثيرا، وذلك بعد صدور قانون مؤسسات المجتمع المدني لعام 2026، وكذلك في ضوء أن عُمان الوطن تملك العلم والمال والعلاقات، ولديها المقدرة على ردم الفجوة بين الماضي والحاضر، ومؤسسات المجتمع المدني أكثر قدرة على الوصول إلى الناس، والاستماع إلى الذاكرة المحلية، وبناء العلاقات الأفقية، وتحويل التاريخ إلى عمل اجتماعي حيّ.
ولماذا الرهان على مؤسسات المجتمع المدني؟ لا يزال التساؤل قائمًا؛ لأنَّ عُمان الأثر ليست حصونًا ومباني فقط- كما ذكرنا- إنها دين، وعلاقات إنسانية، ولغة، وقيم، وتعليم، وتجارة، ومصاهرة، وتقاليد اجتماعية، ومنها يمكن أن يكون للماضي مستقبل، وهذه القوة الناعمة يمكن أن تُمهِّد كل الأرضيات والسُبُل للمصالح الاقتصادية والتجارية بين البلدين.. فهل وصلت رسائل الرحالة العُماني زاهر بن سيف بن سلطان المسكري لأهل عُمان الوطن؟
