السَّمت العُماني.. انتماء لأخلاق القرآن

 

 

 

محمد بن رامس الرواس

لطالما كان السَّمت العُماني هو ذلك الهدوء والاتزان وحسن الخلق الذي تتصدره قيَم؛ الرحمة، والحكمة، والتواضع، والتسامح الذي لا ينتقص من الكرامة، واحترام الآخر مهما اختلفنا معه.

ولعل أجمل ما في هذا السَّمت أنه يستمد جذوره الكبرى من أخلاق القرآن؛ فالقرآن الكريم وسنة نبينا الأمين يهدفان الى ان يكون أثر إيمان المسلم ظاهراً في معاملاته فالدين المعاملة، فيصدق إذا تحدث، ويعدل إذا حكم، ويعفو إذا قدر، ويحسن إذا تعامل، ويكظم غيظه إذا غضب، ويحفظ للناس كرامتهم وإن اختلف معهم.

قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وهنا المولى عزوجل يضع قاعدة إنسانية عظيمة لا تفرق في حسن القول بين قريب وغريب، وحين يقول سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فإنه يرتقي بالإنسان من مجرد رد الإساءة إلى القدرة على مواجهتها بالأفضل والأجمل، وحين يصف عباده بقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ فإنه يرسم صورة للقوة الأخلاقية التي تملك نفسها حين يتم استفزازها.

وهنا أجد المنهج الإيماني المشترك؛ حيث يستسقي السَّمت العُماني من أخلاق القرآن الكريم، فالعُماني الذي عرفه الناس بهدوئه وحسن حديثه واحترامه للكبير وإكرامه للضيف وتوقيره للمجلس إنما يعبر عن تربية بمجتمعه تتواصل عبر الأجيال، فالأخلاق الحميدة في قلبه حاضره؛ في المسجد، وفي البيت، وفي المجلس، وفي علاقته مع جيرانه، وفي تجارته، وفي سفره وحتى في تعامله مع الغريب.

إن خير الشهادات التي يعتز به الأنسان العُماني التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: «لو أن أهل عُمان أتيتَ ما سبّوك ولا ضربوك» كلمات نبوية شريفة من خير الخلق عظيمة الدلالة؛ تضع ترك الأذى وحسن المعاملة في مقدمة الاخلاق التي عُرف بها العُمانيون منذ زمن مبكر.

نحن اليوم أمام عالم مختلف؛ مجالسنا لم تعد وحدها مجالس البيوت، بل أصبح جزء كبير منها الجلوس امام منصات التواصل الاجتماعي وامام الهواتف وهي بمثابة مجالس مفتوحة يشاهدنا فيها القريب والبعيد، والكلمة التي كانت قديمًا لا تتجاوز أسماع بضعة أشخاص، قد تبلغ اليوم آلاف الناس في دقائق، لذلك أصبحت مسؤولية الحفاظ على السَّمت العُماني متضاعفه.

فليس من السمت العُماني أن نسيء لمن خالفنا، ولا أن نشهّر بمن أخطأ علينا، ولا أن نسخر من الناس بحثًا عن إعجاب عابر، ولا أن نجعل الشتيمة دليلًا على الشجاعة، ولا ارتفاع الصوت برهانًا على قوة الحجة، وحين نرفض هذه الممارسات فإننا لا نزعم أن المجتمع العُماني مجتمع بلا أخطاء، نحن بشر وبيننا من يحسن ومن يسيء، ومن يحلم ومن يغضب، ومن يصيب ومن يخطئ، ولكن الخطأ الفردي شيء، وتحويله إلى صورة لمجتمع بأكمله شيء آخر.

إن المسؤولية الأخلاقية تقتضي أن نسأل أنفسنا: ماذا يحسن بنا أن نقدم لأبنائنا ليصبح السَّمت العُماني أساسياً في حياتهم؟

إن التحدي الحقيقي أن نحفظ لأبنائنا معانيه وصوره، ان نمارسه في تعاملنا ونكون بذلك قدوة لهم.

نريد الشاب العُماني معتزًا بلباسه، ولكننا نريده أكثر اعتزازًا بصدقه، نريده متمسكًا بعاداته واخلاقه، ولكننا نريده أشد تمسكًا بأمانته، نريده فخورًا بتاريخ وطنه، ولكننا نريده مدركًا أن أجمل وفاء لذلك التاريخ أن يضيف إليه سيرة حسنة لا أن يكتفي بالحديث عنه.

فالسمت العُماني ليس هيئةً فقط؛ السمت أخلاق، هو أن تختلف دون أن تسيء، وأن تنتقد دون أن تهين، وأن تمتلك القوة فلا تتكبر، وأن تغضب فلا تظلم، وأن تكون قادرًا على الرد فتختار أجمله، وأن ترى الضعيف فتحفظ كرامته، وأن تعامل العامل والغريب والفقير بالاحترام نفسه الذي تعامل به صاحب المنصب والمكانة.

لذا فإن الحديث عن السَّمت العُماني ينبغي ألا يبقى محصورًا في المظهر والزي والعادات الاجتماعية، على أهميتها، بل يجب أن يتسع ليصبح مشروعًا أخلاقيًا تتشارك فيه الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والمؤسسات الثقافية والمجتمع كله؛ مشروعًا يجعل حسن الخلق جزءًا أصيلًا من مفهوم المواطنة، فالوطن لا يحرس بالحدود وحدها، وإنما تحرس صورته كذلك أخلاق أبنائه وقيمهم ومبادئهم.

ختامًا.. ما أحوجنا أن نجعل من السَّمت العُماني انتماءً متيناً لأخلاق القرآن؛ لا شعارًا نرفعه، بل سلوكًا نمارسه.

الأكثر قراءة

z