ليزو.. حين يعود الشباب إلى القرية

 

 

 

الطليعة الشحرية

ثمة قرى نزورها فنرى فيها جمال المكان، وثمة قرى تدفعنا إلى التفكير فيما هو أبعد من المشهد. قرية ليزو في مدينة إيوو بمقاطعة تشجيانغ الصينية تنتمي إلى النوع الثاني؛ فالحكاية هنا ليست في البيوت الريفية الأنيقة، ولا في المقاهي الصغيرة وورش الحرف والمتاجر التي تستقبل الزائر في الأزقة، وإنما في السؤال الذي يقف خلف كل ذلك: كيف يمكن إعادة الحياة إلى قرية كان شبابها يغادرونها بحثًا عن المستقبل، حتى أصبح شباب من خارجها يأتون إليها بحثًا عن المستقبل نفسه؟

هذا السؤال ربما يكون أهم من قصة ليزو ذاتها، فالقرية التي لا تتجاوز مساحتها 1.09 كيلومتر مربع ويبلغ عدد سكانها نحو سبعمائة نسمة، لم تكن تمتلك في الأصل مقومات سياحية استثنائية؛ لا جبال شهيرة، ولا آثارًا عالمية، ولا موردًا طبيعيًا نادرًا. وكانت تُعرف محليًا باسم «قرية قرن الجاموس المائي»، وهو وصف ارتبط في الذاكرة المحلية بمكان فقير يكاد لا يرى أهله أمامه أفقًا واضحًا للتنمية. وتشير المصادر الصينية إلى أن الشباب كانوا يغادرونها، بينما بقي فيها كبار السن، شأنها في ذلك شأن كثير من القرى التي تفقد سكانها تدريجيًا لمصلحة المدن.

لكن ما حدث في ليزو خلال العقدين التاليين يقدم درسًا مختلفًا في فهم التنمية الريفية؛ لم تبدأ الحكاية ببناء مشروع سياحي ضخم، وإنما بإعادة بناء المكان ليصبح صالحًا للحياة أولًا.

مع إطلاق مشروع «الألف قرية النموذجية والعشرة آلاف قرية للتحسين» في تشجيانغ عام 2003، بدأت معالجة البيئة الريفية والبنية الأساسية والخدمات. وفي حالة ليزو شملت العملية تحسين الطرق والمرافق ومعالجة البيئة وإعادة تأهيل الفضاء الريفي. ومع مرور السنوات انتقلت الفكرة من تحسين شكل القرية إلى السؤال الأصعب: ماذا بعد أن تصبح القرية جميلة؟ ومن سيعيش فيها؟ ومن سيخلق اقتصادها؟

هنا تحديدًا بدأت المرحلة الأكثر إثارة في التجربة، بدل البحث عن مستثمر كبير يأتي بمشروع جاهز، اتجهت ليزو نحو استقطاب عدد كبير من أصحاب الأفكار الصغيرة، وفي عام 2017 طُرحت سياسة تشجع ما يُعرف في الصين بـ"المبتكرين الزراعيين" أو رواد الأعمال الريفيين، تضمنت إعفاءات من الإيجار لثلاث سنوات وتقديم الإرشاد والدعم للمشروعات الناشئة. وهكذا بدأ الشباب يدخلون القرية، ليسوا زوارًا وإنما أصحاب مشاريع.

بيت قديم يمكن أن يصبح مقهى، غرفة مهجورة يمكن تحويلها إلى ورشة حرفية. مهارة في الصباغة يمكن أن تصبح علامة تجارية، منتج محلي يمكن إعادة تصميمه وتسويقه. ومبنى كان عبئًا اقتصاديًا على صاحبه يمكن أن يتحول إلى أصل يولد الدخل.

هذه النقلة تبدو بسيطة، لكنها تحمل تحولًا عميقًا في فلسفة التنمية؛ الأصل الاقتصادي للقرية لم يعد الأرض وحدها، وإنما الإنسان والفكرة أيضًا.

وبمرور الوقت ظهرت المقاهي وورش الصباغة والحرف اليدوية والمتاجر الثقافية ومساحات التعلم والمشروعات الغذائية وغيرها من الأنشطة. وتذكر بيانات منشورة في أغسطس 2026 أن ليزو أصبحت تضم أكثر من 110 أنماط ونشاطًا جديدًا، واستقطبت أكثر من 340 من المبدعين ورواد الأعمال، فيما تجاوز عدد زوارها 1.1 مليون زائر سنويًا. وهنا نصل إلى واحدة من أهم مفارقات التجربة: القرية التي كان شبابها يغادرونها أصبحت تستورد الشباب والأفكار، من السهل تجميل قرية، لكن من الصعب تحويل جمالها إلى اقتصاد مستدام. وهذا ربما يكون الفارق بين مشروع تحسين عمراني ومشروع تنمية.

في ليزو لم يكن ترميم المكان نهاية المشروع، وإنما بدايته. فالبيئة المحسنة أصبحت منصة لاستقطاب النشاط الاقتصادي، والنشاط الاقتصادي جذب الزوار، والزوار خلقوا سوقًا للمقاهي والحرف والطعام والتجارب الثقافية، وهذه المشروعات بدورها خلقت فرصًا جديدة وجذبت مشروعات أخرى. نشأت بذلك دائرة اقتصادية صغيرة تدعم نفسها بنفسها. المكان الجيد يجذب الإنسان، والإنسان يحمل الفكرة، والفكرة تتحول إلى مشروع، والمشروع يجذب الزائر، والزائر يخلق الدخل، والدخل يعيد الاستثمار في المكان.

وتظهر الأرقام حجم التحول. ففي عام 2025 بلغ إجمالي دخل الاقتصاد الجماعي للقرية 4.656 مليون يوان، وبلغ الدخل التشغيلي الجماعي 1.386 مليون يوان، بينما وصل متوسط الدخل المتاح للفرد إلى نحو 70 ألف يوان سنويًا. وتؤكد بيانات رسمية حديثة الرقم الأخير، إلى جانب بلوغ الدخل التشغيلي الجماعي 1.386 مليون يوان.

لكن القيمة الحقيقية لهذه الأرقام ليست في ارتفاعها وحده، بل في مصدر هذا الارتفاع. فالقرية لم تتحول إلى مصنع واحد يعيش الجميع على وظائفه، ولم تعتمد على مورد واحد يمكن أن يختفي، وإنما بنت شبكة من الأنشطة الصغيرة والمتوسطة التي تتقاطع فيها الثقافة والسياحة والحرف والتجارة والخدمات والاقتصاد الرقمي. وهذا يمنح التجربة بعدًا آخر؛ تنويع الاقتصاد الريفي بدل اختزاله في الزراعة التقليدية.

ربما تكمن إحدى الأفكار المهمة التي تقدمها ليزو في أنها لم تتعامل مع إحياء الريف باعتباره استعادة رومانسية للماضي. فالقرية الحديثة لا تستطيع الاحتفاظ بشبابها بمجرد مطالبتهم بالبقاء في أرض الأجداد. الشباب يبقون عندما توجد فرصة، ويعودون عندما يكون بإمكانهم بناء حياة ومستقبل ودخل.

ولهذا دخلت إلى ليزو أدوات المدينة الحديث؛ التسويق الرقمي، التجارة الإلكترونية، العلامات التجارية، إدارة الوجهات، صناعة المحتوى، المقاهي الحديثة، التصميم، ريادة الأعمال والثقافة الإبداعية، لكنها دخلت دون أن تمحو شخصية المكان.

وهنا تبدو المعادلة أكثر ذكاءً؛ ليس المطلوب تحويل القرية إلى مدينة صغيرة، ولا تحويلها إلى متحف للماضي، وإنما منحها القدرة على المشاركة في الاقتصاد الحديث مع الاحتفاظ بهويتها.

وفي هذه النقطة تحديدًا تصبح الثقافة أصلًا اقتصاديًا. الحرفة ليست مجرد شيء قديم نعرضه للسائح، وإنما منتج قابل للتطوير. والبيت القديم ليس عقارًا مهجورًا، وإنما مساحة اقتصادية محتملة. والطعام المحلي ليس مجرد عادة منزلية، وإنما تجربة. والحكاية الشعبية ليست ذكرى، وإنما محتوى. وحتى أسلوب الحياة الريفية نفسه يمكن أن يتحول إلى قيمة يبحث عنها سكان المدن.

الأكثر أهمية أن التجربة لم تتوقف عند حدود ليزو، في عام 2024 بدأ تطوير مفهوم «ليزو الكبرى»، الذي يربط القرية بثماني قرى إدارية محيطة بها، في منطقة يبلغ عدد سكانها نحو 15 ألف نسمة. وبنهاية 2025 تجاوز إجمالي الدخل التشغيلي الجماعي للقرى التسع 12.38 مليون يوان، بزيادة بلغت 11.7 في المئة.

وهذه الخطوة مهمة؛ لأن أحد أخطر آثار نجاح الوجهات الريفية أن تتحول قرية واحدة إلى جزيرة مزدهرة تحيط بها قرى أقل حظًا.

توسيع النموذج إلى المحيط يعني الانتقال من سؤال؛ كيف نجعل هذه القرية ناجحة؟ إلى سؤال أكبر، كيف نصنع اقتصادًا محليًا تتوزع منافعه جغرافيًا؟

وهنا يصبح مفهوم "الازدهار المشتر" قابلًا للقراءة اقتصاديًا، وليس بوصفه شعارًا فقط؛ أي محاولة بناء آليات تجعل النشاط الذي يتولد في مركز ناجح قادرًا على خلق فرص في محيطه أيضًا.

هنا تصبح ليزو أكثر إثارة للاهتمام بالنسبة إلينا، لدينا في العالم العربي، وفي عُمان تحديدًا، قرى تملك من المقومات الطبيعية والتاريخية والثقافية ما يفوق بكثير ما كانت تملكه ليزو عند بداية تجربتها.

لدينا قرى جبلية وبحرية وصحراوية، قرى زراعية، بيوت قديمة، حرف تقليدية، أطعمة محلية، حكايات شفوية، أزياء ولهجات وموسيقى وأساليب بناء وبيئات لا تتكرر ومع ذلك، كثيرًا ما نفكر في تنمية هذه الأماكن من زاوية واحدة؛ كيف نجذب السائح؟ ربما ينبغي أن يسبق ذلك سؤال آخر؛ كيف نجذب صانع الفرصة؟

فالزائر يأتي لساعات أو أيام ثم يغادر، أما رائد الأعمال والمصمم والحرفي والمزارع المبتكر وصانع المحتوى وصاحب المشروع الثقافي، فإنه يخلق سببًا جديدًا لقدوم الزائر أصلًا.

وبدل أن نستثمر الملايين في إنشاء وجهة كاملة ثم نبحث عمن يشغلها، يمكن التفكير في نموذج مختلف؛ تأهيل المكان، فتح البيوت والمباني غير المستغلة أمام المشروعات، تخفيض تكلفة الدخول للشباب، توفير تمويل صغير وتدريب وتسويق مشترك، ثم السماح لعشرات الأفكار بأن تنمو تدريجيًا.

قد يفشل بعضها، وقد ينجح بعضها الآخر نجاحًا محدودًا، لكن عشرات المشروعات الصغيرة الناجحة تستطيع في النهاية أن تصنع اقتصادًا أكثر تنوعًا من مشروع واحد ضخم.

وليس المقصود استنساخ ليزو في عُمان أو في أي بلد عربي؛ فالتنمية التي تنسخ تجربة أخرى حرفيًا غالبًا ما تفقد روح المكان الذي تحاول تطويره. الدرس الحقيقي هو العكس تماما؛ أن تبدأ كل قرية مما تملكه هي، لا مما نجح عند الآخرين.

قرية عُمانية قد يكون مفتاحها الزراعة، وأخرى البحر، وثالثة العمارة، ورابعة اللبان، وخامسة الحرف، وسادسة الجبال، وأخرى الذاكرة الحكاية. التنمية هنا لا تبدأ بالسؤال: ماذا نبني؟ بل؛ ما الذي يميز هذا المكان؟ ومن يستطيع تحويل هذه الميزة إلى قيمة؟

وأنا أتأمل ليزو، لا يبدو التحول الحقيقي في المقاهي ولا في المتاجر ولا حتى في أعداد السياح. التحول الأعمق حدث عندما تغير اتجاه الحركة البشرية.

في الماضي كان الطريق يخرج من القرية؛ الشباب يغادرون، الفرص توجد في الخارج، والمستقبل مكان آخر. أما اليوم فقد أصبح الطريق يسير في الاتجاهين؛ أناس يغادرون المدن إلى القرية، وشباب يعودون إليها، وآخرون يأتون من مناطق مختلفة حاملين أفكارهم ومشروعاتهم. وهذه ربما تكون إحدى أكثر العلامات صدقًا على نجاح التنمية الريفية. فالقرية لا تنهض عندما تصبح أجمل في الصور، ولا عندما يرتفع عدد زوارها فحسب، وإنما عندما يستطيع الإنسان أن ينظر إليها ويقول: هنا أيضًا يمكنني أن أصنع مستقبلي.

الأكثر قراءة

z