◄ وقوع الزلزال يعتمد على قرب الدولة من الصفائح والصدوع النشطة
◄ الهزات الارتدادية قد تستمر لسنوات بعد الزلازل الكبيرة
◄ عُمان بعيدة نسبيا عن مراكز الزلازل لكنها تتأثر بالمصادر الإقليمية مثل "حزام زاغروس"
◄ لا يمكن منع الزلازل أو التنبؤ الدقيق بموعدها.. والرصد المستمر يسهم في تقليل الخسائر
الرؤية- سارة العبرية
أكد الدكتور عيسى وطبان الحسين، مدير مركز رصد الزلازل بجامعة السلطان قابوس ورئيس كرسي اليونسكو لدراسات أخطار الزلازل والتسونامي، أن الزلازل القوية ليست موزعة عشوائيًا تمامًا على سطح الأرض؛ بل تتركز في الغالب على حدود الصفائح التكتونية؛ حيث تتراكم الإجهادات نتيجة حركة الصفائح ثم تتحرر فجأة عند انزلاق الصخور على الصدوع.
وقال -في حوار مع "الرؤية"- إنَّ العالم قد يشهد خلال فترة قصيرة عدة زلازل في مناطق نشطة أصلًا، مثل حزام المحيط الهادئ، وجبال الهيمالايا، وحزام زاغروس، ومنطقة اندساس مكران، موضحًا أن بعض ما يبدو نشاطًا عالميًا متزامنًا قد يكون انعكاسًا طبيعيًا لمعدل الزلازل على كوكب نشط جيولوجيًا، إضافة إلى سرعة تداول الأخبار وقدرة شبكات الرصد الحديثة على تسجيل أحداث لم تكن تُرصد سابقًا بالدقة نفسها.
وحول مدى وجود علاقة بين الزلازل التي تقع في مناطق مختلفة، أوضح أن التقارب الزمني وحده لا يكفي لإثبات وجود علاقة بين زلازل وقعت في قارات أو حدود صفائح مختلفة، مشيرًا إلى أنَّ إثبات العلاقة يتطلب فحص المسافة بين الأحداث، وتوقيتها، واتجاه الصدوع، وانتقال الإجهادات، وموجات الزلزال الأول، والتغير في المعدل الزلزالي مُقارنة بالسجل الطويل.
وأضاف أن الزلازل المتباعدة آلاف الكيلومترات تكون في معظم الحالات مستقلة، حتى وإن حدثت في اليوم نفسه، بينما قد تكون الزلازل الواقعة ضمن الصدع نفسه أو النظام التكتوني نفسه جزءًا من متتابعة واحدة تشمل زلزالًا رئيسًا وهزات ارتدادية، أو نتيجة انتقال الإجهاد إلى أجزاء مجاورة من الصدع.
العوامل الجيولوجية
وفيما يتعلق بالعوامل الجيولوجية التي تجعل بعض الدول أكثر عرضة للنشاط الزلزالي، بيّن الحسين أن النشاط الزلزالي يرتفع عندما تقع الدولة عند حدود صفائح متقاربة أو متصادمة أو منزلقة بمحاذاة بعضها، مضيفاً أنه في كولومبيا تتفاعل صفيحة نازكا المحيطية، التي تندس تحت صفيحة أمريكا الجنوبية، مع صفيحة الكاريبي وكتلة شمال الأنديز؛ ولذلك تتولد زلازل سطحية ومتوسطة وعميقة، إلى جانب نشاط بركاني. أما فنزويلا، فتقع قرب الحد المعقد بين صفيحتي الكاريبي وأمريكا الجنوبية، وتؤثر فيها منظومات صدعية انزلاقية نشطة، من أبرزها صدوع بوكونو وإل بيلار وسان سباستيان.
وأشار إلى أنَّ إندونيسيا من أكثر مناطق العالم تعقيدًا تكتونيًا، لأنها تقع عند التقاء عدة صفائح وكتل تكتونية، أهمها الصفيحة الهندية-الأسترالية مع صفيحة سوندا، إضافة إلى تأثيرات صفائح المحيط الهادئ وبحر الفلبين في الشرق، لافتًا إلى أن الاندساس على طول خندق سوندا يؤدي إلى زلازل ضخمة قد تولد أمواج تسونامي.
وحول آسيا عمومًا، قال إنها تضم بيئات مختلفة، منها تصادم الهند مع أوراسيا الذي كوّن الهيمالايا، وأقواس الاندساس حول اليابان والفلبين وكامتشاتكا، والصدوع الانزلاقية الكبرى في تركيا وآسيا الوسطى، مؤكدًا أنَّ العامل الحاسم ليس اسم الدولة، بل موقعها بالنسبة إلى حدود الصفائح والصدوع النشطة، ومعدل تراكم الإجهاد، وخصائص القشرة الأرضية.
وفي حديثه عن تكرار الزلازل خلال فترة زمنية قصيرة، أوضح أنه عندما ينكسر جزء من صدع، يُعاد توزيع الإجهاد في الصخور المحيطة، فتزداد احتمالات حدوث هزات على الأجزاء القريبة التي اقتربت أصلًا من حالة الكسر، مبينا أنَّ الزلزال الرئيس يتبعه عادة عدد من الهزات الارتدادية التي يتناقص معدلها تدريجيًا مع الزمن، وقد يستمر ذلك أيامًا أو أشهرًا، وأحيانًا سنوات بعد الزلازل الكبيرة، كم أن النشاط قد يظهر أيضًا على هيئة سرب زلزالي لا يُهيمن عليه زلزال رئيس واضح، وربما يرتبط بحركة موائع في القشرة، أو تغير الضغط المسامي، أو انزلاق بطيء على صدع، أو نشاط بركاني في بعض البيئات.
وأكد أنَّ النشاط لا يُعد غير اعتيادي بمجرد زيادة عدد الزلازل لبضعة أيام، بل يجب مقارنته بالمعدل الخلفي المعروف للمنطقة مع مراعاة تحسن قدرة الشبكة على الكشف، لافتاً إلى أنَّ من المؤشرات التي تستحق دراسة معمقة استمرار الزيادة فترة أطول من المتوقع، أو انتقال البؤر في اتجاه منتظم، أو ظهور زلازل بأحجام أو أعماق غير مألوفة، أو ترافق النشاط مع تشوه أرضي تقيسه محطات النظام العالمي للملاحة بالأقمار الصناعية أو صور الأقمار الصناعية، أو مع تغيرات بركانية أو هيدروحرارية.
ولفت إلى على أن رصد هذه المؤشرات لا يعني حتمية وقوع زلزال كبير، بل يستلزم تحديث التقييم ومواصلة المراقبة وتحليل عدم اليقين.
وحول إمكانية تأثير الزلازل القوية في مناطق متباعدة جغرافيًا، قال إن الزلزال الكبير يمكن أن يؤثر بوضوح في الصدوع القريبة عبر انتقال الإجهاد الساكن، ولذلك تتركز الهزات الارتدادية غالبًا حول منطقة الانكسار وعلى امتداد الصدوع المجاورة، مبيناً أن الموجات الزلزالية العابرة يمكن أن تُحدث ما يسمى بالتحفيز الديناميكي في مناطق أبعد، ولا سيما إذا كانت الصدوع هناك شديدة القرب من الكسر أو كانت المنطقة بركانية أو غنية بالموائع، إلا أن هذا التأثير البعيد لا يحدث بصورة حتمية، وغالبًا ما يؤدي إلى زلازل صغيرة أو تغير مؤقت في معدل النشاط.
وأكد أنه عندما تقع زلازل قوية على حدود صفائح مختلفة تفصل بينها آلاف الكيلومترات، فالأصل العلمي هو اعتبارها مستقلة ما لم تظهر أدلة كمية واضحة على انتقال الإجهاد أو تغير المعدل الزلزالي بعد وصول الموجات، مبينًا أن القشرة الأرضية لا تنقل الإجهاد الساكن بكفاءة عبر هذه المسافات الهائلة.
وأضاف أن التزامن في معظم الحالات يكون مصادفة زمنية ضمن النشاط الطبيعي للأرض، وليس سلسلة مترابطة أو دليلًا على أن زلزالًا في قارة سيؤدي تلقائيًا إلى زلزال في قارة أخرى.
وضع عُمان
وحول وضع سلطنة عُمان من الناحية الزلزالية، أوضح الحسين أن السلطنة تقع داخل الصفيحة العربية في الجزء الشرقي منها، وبعيدة نسبيًا عن أكثر حدودها نشاطًا، ولذلك فإن نشاطها الزلزالي الداخلي أقل من النشاط المسجل في إيران وباكستان ومناطق التصادم والاندساس المجاورة.
وقال إن ذلك لا يعني انعدام الخطر؛ إذ تتأثر السلطنة بمصادر إقليمية قادرة على إحداث اهتزاز محسوس، وفي مقدمتها حزام زاغروس التصادمي في جنوب إيران، ومنطقة اندساس مكران في بحر عُمان، إضافة إلى منطقة أوين-موراي في بحر العرب وخليج عدن.
وأشار إلى وجود تراكيب وصدوع محلية داخل السلطنة وبالقرب منها تستوجب المتابعة، ومنها صدوع مرتبطة بجبال عُمان، ومنطقتا قلهات ومصيرة، والتراكيب القريبة من مسندم.
وبيّن أن درجة التعرض داخل السلطنة تختلف باختلاف القرب من المصدر الزلزالي وطبيعة التربة والصخور وجودة المباني، موضحًا أن دراسات الخطر الزلزالي تظهر أن شمال السلطنة ومسندم أكثر تأثرًا نسبيًا بالمصادر الزلزالية في زاغروس ومكران.
ولفت إلى أن خطر التسونامي الناتج عن الزلازل البحرية الكبيرة في مكران يستدعي الانتباه ورفع الجاهزية في السواحل المطلة على بحر عُمان.
وأكد أنَّ مركز رصد الزلازل بجامعة السلطان قابوس يواصل مراقبة النشاط المحلي والإقليمي وتحديث قواعد البيانات ودراسات الخطر، مشيرًا إلى أن الخطر في عُمان متوسط إلى منخفض نسبيًا مقارنة بالدول الواقعة مباشرة على حدود الصفائح، لكنه حقيقي ويجب التعامل معه من خلال تطبيق متطلبات التصميم المقاوم للزلازل، وتقييم المواقع الحيوية، والاستعداد المؤسسي والمجتمعي.
التقنيات المستخدمة
وحول أحدث التقنيات والأنظمة المستخدمة حاليًا لرصد وتتبع النشاط الزلزالي، أوضح أن المنظومات الحديثة تعتمد على تكامل عدة تقنيات، من بينها محطات الزلازل عريضة النطاق لرصد الموجات، وأجهزة الحركة القوية لقياس التسارع المؤثر في المباني والبنية الأساسية، وشبكات النظام العالمي للملاحة بالأقمار الصناعية لرصد التشوه الأرضي، وتقنية الرادار التداخلي الفضائي لرسم الإزاحات السطحية، وأجهزة قاع البحر في المناطق البحرية.
وأضاف أن الاستفادة من الألياف الضوئية تتوسع بوصفها مجسات موزعة، بحيث يمكن لبعض كابلات الاتصالات تسجيل الاهتزاز على امتداد مسافات طويلة، موضحًا أن البيانات تُرسل آنيًا إلى مراكز المعالجة لإنتاج مواقع الزلازل ومقاديرها وآلياتها، وخرائط شدة الاهتزاز، وتقديرات أولية للتأثير خلال دقائق.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مهمة في التقاط وصول موجتي P وS، وربط القراءات بين المحطات، وخفض الإنذارات الكاذبة، وتمييز الزلازل عن التفجيرات والضوضاء، وتسريع تحديد الموقع والمقدار.
كما أوضح أن خوارزميات التعلم الآلي تُستخدم لاكتشاف الزلازل الصغيرة داخل التسجيلات المستمرة وتحليل المتتابعات الكبيرة، إلى جانب وجود أنظمة إنذار مبكر ترصد الموجات الأولية الأقل ضررًا وترسل تنبيهًا قبل وصول الاهتزاز الأقوى بثوانٍ إلى عشرات الثواني بحسب المسافة.
وأكد أن هذه التقنيات لا تتنبأ حتى الآن بالزمان والمكان والمقدار الدقيق للزلزال قبل وقوعه، وإنما تحسن الرصد والإنذار السريع وتقدير التأثير ودعم القرار.
وقال الدكتور عيسى إنه لا يمكن منع الزلازل أو التنبؤ الدقيق بموعدها، لكن يمكن تقليل خسائرها بدرجة كبيرة من خلال الرصد المستمر، وتحديث خرائط الخطر، وتطبيق اشتراطات البناء المقاوم للزلازل، وحماية المنشآت الحيوية، ورفع جاهزية المؤسسات والمجتمع.




