الرؤية- سارة العبرية
أكدّ الدكتور سالم بن سلام الفليتي، محامٍ ومستشار قانوني، أن القانون النظام الموحد بشأن إدارة الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة لدول مجلس التعاون، تكفل في مادته الأولى بتعريف وتحديد المقصود بالكلمات والعبارات ذات الصلة بأحكامه، مشيرًا إلى أن البند (10) من المادة ذاتها عرّف الموارد الوراثية بأنها "أي مواد وراثية ذات أصل نباتي بما في ذلك مواد الإكثار الجنسي أو الخضري التي تحتوي على وحدات وظيفية للوراثة".

وأوضح -في حوار مع "الرؤية"- أن تعريف المشرّع للمواد الوراثية جاء واسعًا ليشمل جميع البذور والأنسجة الخاصة بالأغذية والزراعة، وكذلك جيناتها والنباتات البرية بمختلف أشكالها، لافتًا إلى أن هذه الموارد ترتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي بمفهومه العام، وتنبع أهميتها من كونها وسيلة للتنوع الجيني اللازم لإنتاج الغذاء.
وأضاف الفليتي أن المشرّع الخليجي عرّف كذلك مشتقات هذه الموارد بأنها المنتجات التي تم تطويرها أو استخلاصها أو استنباطها من الموارد النباتية للأغذية والزراعة، وهو ما يضع إطارًا قانونيًا واضحًا للتعامل معها، موضحا أن أهمية إصدار نظام موحد لإدارة الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة تكمن في تحقيق عدد من المستهدفات، من بينها رصد وجمع وتصنيف وتوثيق وحماية الموارد النباتية، وتنظيم المعارف التقليدية المرتبطة بها، إلى جانب تنظيم طرق إدخال وإخراج الموارد الوراثية النباتية والمواد الوراثية.
وقال: "يستهدف النظام تشجيع ومشاركة الأشخاص ذوي الصلة بهذه الموارد ومشتقاتها، والمحافظة على الأنواع والأصناف النباتية المحلية في مختلف مواقع وجودها، بما يتفق مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، فضلًا عن تشجيع أنشطة البحث العلمي بما يواكب التطورات الحديثة في هذا المجال، كما أن هذه المستهدفات تمنح الموارد الوراثية النباتية بُعدًا حمائيًا إضافيًا، وتفسح المجال أمام الباحثين في مجال الموارد النباتية، بما يسهم في استدامتها وتنميتها والاستفادة من مختلف مشتقاتها".
انعكاسات على المزارعين
وحول انعكاس النظام على المزارعين وأصحاب الحيازات الزراعية، أوضح الفليتي أن نطاق تطبيقه، وفق المادة (3)، يشمل الموارد الوراثية النباتية والزراعية، إلى جانب الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين الذين لهم صلة بهذه الموارد، وبالتالي فإن أحكامه تنعكس بصورة مباشرة على المزارعين، مبينا أن هذه الانعكاسات تأتي في مسارين، يتمثل الأول في حماية الموارد الوراثية وتنظيم التعامل معها، إذ تحظر أحكام النظام ممارسة أي نشاط يتعلق بالموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة دون الحصول على ترخيص، كما يحظر إدخال هذه الموارد أو مشتقاتها إلى أي دولة من دول المجلس أو إخراجها منها إلا بموجب ترخيص من الجهة المختصة، ويلزم النظام كل شخص يدخل إحدى دول الخليج وبحوزته موارد وراثية أو أحد مشتقاتها بالإفصاح عنها لموظفي الجمارك في نقاط الدخول أو الخروج، وإبراز الشهادات الرسمية اللازمة، إضافة إلى خضوع الموارد التي يتم إدخالها إلى الدولة لنظام الحجر الصحي.
كما لفت إلى أن المشرّع الخليجي أضفى قدرًا من المرونة من خلال استثناء النظم التقليدية في الحصول على الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة، وفقًا لما نصت عليه الفقرة (2) من المادة (3)، شريطة ألا تتعارض هذه النظم مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، على أن تحدد اللائحة التنفيذية ضوابط هذا الاستثناء، مضيفا أن استثناء النظم التقليدية المتعارف عليها في دول الخليج يعد نهجًا يحسب للمشرّع، مع التأكيد على عدم تعارضها مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية.
وأكد في هذا السياق إلى أن المادة (93) من النظام الأساسي للدولة تنص على أن المعاهدات والاتفاقيات الدولية لا تكون لها قوة القانون إلا بعد التصديق عليها، فيما تؤكد المادة (97) عدم جواز إصدار لوائح أو قرارات تخالف القوانين والمراسيم النافذة أو المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تعد جزءًا من قانون البلاد، موضحا: "وإن كان لنا في هذه الجزئية رأي، فنرى استبدال كلمة “المعاهدة” الواردة في الفقرة (2) من المادة (3) لتكون الصياغة: “وبما لا يتعارض مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية”".
حقوق المزارعين
وبيّن الفليتي أن الفصل الثالث من النظام، في المواد من (18) إلى (19)، يوضح الآثار الإيجابية لتطبيقه على المزارعين، من خلال إقرار عدد من الحقوق لهم، شريطة ألا تتعارض مع التشريعات المعمول بها في دول المجلس، إذ تشمل هذه الحقوق -بحسب النظام- الحقوق الناشئة عن مساهمة المزارعين في صيانة وحفظ وتداول وتنمية الموارد الوراثية النباتية، ومن بينها الحق في المعارف التقليدية المرتبطة بهذه الموارد، والحق في المشاركة في صنع القرارات على المستوى الوطني، إلى جانب حق اقتسام المنافع الناشئة عن استخدام تلك الموارد.
وذكر أن المشرّع الخليجي منح المزارعين العاملين في مجال تنمية الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة عددًا من الحقوق، بما يعكس توازنًا بين الحقوق والالتزامات، بينما ترك فيما يتعلق بالحيازات الزراعية للسلطة المختصة في كل دولة الأدوات التشريعية اللازمة، بما لا يتعارض مع القوانين الموحدة لدول الخليج أو أحكام النظام.
حماية الأصناف
وفيما يتعلق بالأصناف النباتية العمانية المحلية والنادرة، ومنها بعض أصناف النخيل والمحاصيل التقليدية، أوضح الفليتي أن النظام يخاطب دولًا ذات بيئات زراعية متشابهة، إن لم تكن متماثلة تمامًا، مشيرًا إلى أن من أبرز أهدافه المحافظة على الأنواع والأصناف النباتية المحلية في مواقعها الطبيعية، بما يتفق مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
وأضاف أن النظام أولى عناية خاصة بتنظيم إدخال وإخراج الموارد النباتية للأغذية والزراعة، بما في ذلك فسائل النخيل، من وإلى دول الخليج، إلى جانب وضع مجموعة من الأحكام التي تستكمل منظومة الحماية، ومن أبرز هذه الأحكام حظر إدخال الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة إلا بترخيص، وإخضاع الموارد التي يتم إدخالها إلى الدولة أو إخراجها منها أو عبورها لأحكام نظام الحجر الصحي، فضلًا عن حظر جمع الموارد الوراثية دون ترخيص، كما ينص النظام على أن الحصول على الموارد الوراثية النباتية والزراعية المشمولة بالنظام المتعدد الأطراف يكون بموافقة السلطة المختصة، سواء كانت هذه الموارد في مواقعها الطبيعية أو خارجها.
وأشار الفليتي إلى أن تكامل أحكام النظام مع التشريعات الوطنية في دول الخليج يوفر منظومة تهدف إلى حماية الموارد النباتية والزراعية، وضمان اقتسام عادل ومكافئ للمنافع الناجمة عن استخدامها، فضلًا عن المحافظة على مختلف الأنواع، وخاصة النادرة منها، في مواطنها الأصلية.
البحث العلمي والاستثمار
وفيما يتعلق بالباحثين والشركات والجهات الراغبة في جمع أو استخدام أو نقل الموارد الوراثية النباتية لأغراض البحث أو الاستثمار، أوضح الفليتي أن التشريعات الوطنية في دول الخليج تتكامل مع النظام الموحد في هذا الجانب، لافتا إلى أن اختصاصات وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في سلطنة عُمان، والمؤطرة بالمرسوم السلطاني رقم (92/2020)، تتضمن إجراء البحوث والدراسات المتعلقة بالثروات الزراعية والحيوانية والسمكية وموارد المياه، بهدف تنميتها وتقييم أوضاعها ودعم قدرتها وإنتاجيتها، إلى جانب إجراء التجارب والدراسات الفنية.
وأوضح أن النظام الموحد يستكمل هذه المنظومة من خلال النص على تشجيع أنشطة البحث العلمي الخاصة بالموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة، وتكليف السلطة المختصة بإدارة هذه الموارد وتنظيم جمعها وتسجيلها وحفظها وصيانتها واستخدامها وتبادلها، مؤكدا أن القوانين المحلية والنظام الموحد يشجعان البحث العلمي بما يواكب المستجدات والتطورات في هذا المجال، ويضمن استدامة الموارد والمحافظة عليها، أما إذا كان استخدام الموارد الوراثية يستهدف نشاطًا تجاريًا، فإن الأمر يختلف بصورة كبيرة، إذ وضع النظام عددًا من الضوابط التي تهدف إلى منع استغلال الموارد الوراثية للنباتات والزراعة، ومن أبرزها ما نصت عليه المادة (8) من حظر ممارسة أي نشاط يتعلق بهذه الموارد دون الحصول على ترخيص.
وقال إن شروط وإجراءات التراخيص، وحالات وقفها وإلغائها وتجديدها والتنازل عنها، ستتضح بصورة أكبر مع صدور اللائحة التنفيذية للنظام، معتبرًا أن من المناسب التريث حتى صدور هذه اللائحة.
عقوبات وجزاءات
وأكد الفليتي أن المشرّع الخليجي لم يترك مجالًا واسعًا للاجتهاد في هذا النظام؛ إذ جاءت نصوصه وأحكامه واضحة وفي نسق قانوني متكامل، بدءًا من التعريفات والأحكام العامة، مرورًا بتنظيم التعامل مع الموارد الوراثية وبيان حقوق المزارعين، وصولًا إلى العقوبات والجزاءات الإدارية المقررة بحق المخالفين، مشيرا إلى أن المادة (4) من النظام أكدت أن الموارد الوراثية للأغذية والزراعة ومشتقاتها تعد من الحقوق السيادية للدولة، وتخضع لتشريعاتها النافذة، ويحظر نقل ملكيتها إلى الغير.
وبيّن أن المزارع، سواء كان مواطنًا أو مقيمًا، وشخصًا طبيعيًا أو اعتباريًا، ملزم بالامتثال لأحكام النظام وعدم مخالفتها، سواء أكانت المخالفة عن عمد أم عن جهل، استنادًا إلى القواعد القانونية التي تقرر عدم الاعتداد بالجهل بالقانون كعذر، كما أن العقوبات والجزاءات الإدارية جاءت متدرجة في الشدة، إذ تراوحت عقوبة السجن من عشرة أيام إلى سنة واحدة، إلى جانب الغرامات المالية.
وأضاف أن المشرّع أتاح للمحكمة المختصة، فضلًا عن الحكم بعقوبتي السجن أو الغرامة، أن تقضي بمصادرة محل المخالفة أو وسيلة النقل المستخدمة، كما يمكن أن تمتد العقوبات إلى إلغاء الترخيص، كما أجازت المادة (24) لرئيس السلطة المختصة فرض جزاءات إدارية عند مخالفة النظام ولائحته التنفيذية أو القرارات الصادرة تنفيذًا لهما، فيما منح النظام موظفي السلطة المختصة صفة الضبطية القضائية، وفي المقابل أتاح للمتضرر التظلم من القرارات الصادرة بحقه وفقًا للقوانين والأنظمة المعمول بها في كل دولة.
وأكد أن النظام فرض عقوبات وجزاءات تتناسب مع طبيعة المخالفات في الوقت الحالي، مشيرًا إلى أنه متى تبين للجهات المعنية عدم قدرة هذه العقوبات على مواكبة التطورات، فيمكن تعديلها أو تغليظها أو توسيع نطاقها وفقًا لما تجيزه أحكام النظام.
