القاهرة وبكين.. ولقاء الكبار



ناصر بن حمد العبري
في القاهرة، حيث يلتقي التاريخ بالجغرافيا، وحيث ما زال النيل يروي حكاية حضارةٍ ضاربة في عمق الزمن، يأتي لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ليحمل أكثر من دلالات الزيارة الرسمية؛ إنه لقاء الكبار، وموعد بين دولتين تدركان أن العلاقات الدولية لا تُبنى بالمصالح العابرة، وإنما بالثقة والاحترام والرؤية المشتركة للمستقبل.

وتكتسب زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى مصر أهمية استثنائية، كونها تأتي في عام الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، تلك العلاقات التي بدأت عام 1956، حين كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. وعلى امتداد سبعة عقود، استطاعت القاهرة وبكين أن تحافظا على جسور متينة من التفاهم والتعاون، حتى تحولت العلاقة إلى شراكة استراتيجية شاملة.

ولعل أجمل ما في هذا اللقاء أنه يجمع دولتين تنتميان إلى حضارتين عريقتين، لكل منهما إرثها الثقافي والتاريخي، لكنهما تلتقيان اليوم عند طموح مشترك: التنمية، والاستقرار، وبناء مستقبل أكثر عدلاً وتوازناً.

الصين تنظر إلى مصر باعتبارها دولة محورية في العالم العربي وأفريقيا، ومصر ترى في الصين شريكاً دولياً مهماً في مسيرة التنمية والاستثمار والتكنولوجيا والبنية الأساسية. وهذه الرؤية لم تعد مجرد شعارات دبلوماسية، بل تحولت إلى مشروعات وشراكات ملموسة في مجالات متعددة، من الاقتصاد والتجارة إلى الصناعة والطاقة والنقل والعلوم والتكنولوجيا.

وفي هذا المشهد، تبدو القاهرة محطة مهمة في الرؤية الصينية للعالم العربي وأفريقيا؛ فموقع مصر الجغرافي، ودورها السياسي، وقناة السويس، وقدرتها الاقتصادية والبشرية، تجعل منها جسراً استراتيجياً بين الشرق والغرب، وبين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

أما الصين، بقيادة شي جين بينغ، فتقدم نموذجاً يقوم على توسيع دوائر التعاون والشراكة، وربط التنمية بالمصالح المشتركة، وهو ما يمنح العلاقات المصرية الصينية أفقاً أوسع من العلاقات التقليدية.

إن القاهرة وبكين لا تلتقيان اليوم لاستعادة ذكريات سبعة عقود فحسب، بل لرسم ملامح العقود القادمة. فلقاء الكبار لا يقاس بعدد الاتفاقيات التي تُوقع، وإنما بقدرة القادة على تحويل الإرادة السياسية إلى مشاريع تنموية، وتحويل الصداقة التاريخية إلى شراكة تصنع المستقبل.

وهنا تكمن الرسالة الأهم: عندما تلتقي مصر والصين، فإنهما لا تتحدثان فقط عن علاقات ثنائية، بل عن دور الحضارات في صناعة عالم أكثر تعاوناً وتوازناً وإنصافاً. وهذه هي القيمة الحقيقية للقاء الكبار.

الأكثر قراءة

z