الرؤية -خاص
حوار صحفي حول زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر 2026
د. غادة كمال محمود
خبير في العلاقات الدولية والشؤون السياسية والاستراتيجية
تكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في 2026 أهمية خاصة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، والتطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط وأفريقيا، بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية–الصينية.
وتفتح الزيارة الباب أمام تساؤلات عدة حول مستقبل الشراكة بين القاهرة وبكين، وما إذا كانت العلاقات بصدد الانتقال من التعاون الاقتصادي والاستثماري إلى مستوى أوسع يشمل التنسيق السياسي والاستراتيجي، ودور البلدين في قضايا المنطقة والقارة الأفريقية، إلى جانب التعاون داخل مجموعة بريكس.
في هذا الحوار، تتحدث د. غادة كمال محمود، الخبير في العلاقات الدولية والشؤون السياسية والاستراتيجية، عن دلالات الزيارة وآفاق العلاقات المصرية–الصينية خلال المرحلة المقبلة.
■ هل تعد زيارة شي جين بينغ لمصر بمثابة إعلان صيني بأن القاهرة أصبحت إحدى أهم العواصم العربية في الاستراتيجية الصينية؟
نعم، يمكن قراءة الزيارة باعتبارها تأكيدًا صينيًا على المكانة الاستراتيجية لمصر، وليس مجرد تعبير عن قوة العلاقات الثنائية بين البلدين.
فمصر تجمع بين عدد من المقومات التي تمنحها أهمية استثنائية في الحسابات الصينية؛ فهي تتمتع بموقع جغرافي بالغ الأهمية، وتسيطر على قناة السويس، وتمتلك امتدادًا عربيًا وأفريقيًا، فضلًا عن دورها المحوري في عدد من الملفات الإقليمية الرئيسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وأمن البحر الأحمر.
ومن هذا المنطلق، تنظر بكين إلى القاهرة باعتبارها شريكًا قادرًا على الربط بين المصالح الصينية في الشرق الأوسط وأفريقيا والبحر المتوسط، وهو ما يجعل العلاقات مع مصر جزءًا من رؤية صينية أوسع تتجاوز الإطار الثنائي إلى الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية الإقليمية.
■ هل نشهد خلال زيارة شي بداية مرحلة «شراكة مصرية–صينية شاملة» تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن؟
الأرجح أننا أمام توسيع تدريجي لطبيعة الشراكة الاستراتيجية، أكثر من كوننا أمام مجرد إعلان عن عدد من الاتفاقيات الجديدة التي يمكن توقيعها خلال الزيارة.
سيظل الاقتصاد هو المحور الأساسي للعلاقات المصرية–الصينية، لكن المتغيرات الإقليمية والدولية تفتح المجال أمام تعاون أوسع في مجالات السياسة والأمن والطاقة والتكنولوجيا والأمن الغذائي وسلاسل الإمداد.
والأهم من ذلك هو الانتقال من التعاون في مشروعات منفردة إلى تنسيق استراتيجي أكثر انتظامًا، بحيث تصبح العلاقة قادرة على التعامل مع الملفات المتغيرة في المنطقة، وليس فقط تنفيذ مشروعات اقتصادية واستثمارية.
■ إذا كانت زيارة شي لمصر عام 2016 قد دشنت مرحلة جديدة في العلاقات، فما الذي يمكن أن تدشنه زيارة 2026؟
إذا كانت زيارة 2016 قد ارتبطت بتعميق الشراكة الاقتصادية وربط مصر بمبادرة الحزام والطريق، فإن زيارة 2026 يمكن أن تدشن مرحلة أكثر استراتيجية، عنوانها الانتقال من «الشراكة في التنمية» إلى «الشراكة في تشكيل البيئة الإقليمية».
بمعنى آخر، تصبح مصر ليس فقط موقعًا للمشروعات والاستثمارات الصينية، وإنما شريكًا في التعامل مع التحولات الإقليمية، والمساهمة في بناء ترتيبات اقتصادية وسياسية أكثر استقرارًا.
ومن ثم، فإن زيارة 2026 تختلف عن زيارة 2016 في طبيعة الأولويات. فالمطلوب لم يعد دعم مشروعات البنية الأساسية فقط، وإنما بناء شراكة ذات قدرة أكبر على إنتاج السلع والخدمات، وتوطين التكنولوجيا، وزيادة الصادرات، وربط مصر بسلاسل القيمة الإقليمية والدولية.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز بصورة أكبر على القيمة المضافة للإنتاج والاستثمار، وليس فقط حجم الاستثمارات أو عدد المشروعات.
■ الزيارة تتزامن مع مرور 70 عامًا على العلاقات المصرية–الصينية.. هل تريد بكين أن تجعل هذه المناسبة نقطة انطلاق لمرحلة جديدة وليس مجرد احتفال بتاريخ العلاقات؟
بالتأكيد، وهذه هي القيمة السياسية الأهم للزيارة.
فالاحتفال بسبعين عامًا من العلاقات يمثل فرصة لإعادة تعريف المستقبل، وليس فقط استدعاء الماضي. وبكين تدرك أن العلاقات المصرية–الصينية تمتلك رصيدًا تاريخيًا كبيرًا، ولذلك يمكن توظيف هذه الذكرى للانتقال إلى أجندة جديدة تركز على التكنولوجيا والاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتعاون السياسي، بما يتواكب مع التحولات التي يشهدها النظام الدولي.
وتكتسب الذكرى السبعون أهمية خاصة؛ إذ كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية في 30 مايو 1956، قبل أن تتطور العلاقات لاحقًا إلى شراكة استراتيجية شاملة امتدت إلى مجالات الاقتصاد والاستثمار والبنية الأساسية والطاقة والتكنولوجيا.
ومن ثم، فإن هذه الذكرى تمثل محطة مهمة لتقييم مسار العلاقة، والانتقال من الرمزية التاريخية إلى تحول استراتيجي حقيقي عبر بناء أجندة مستقبلية أكثر إنتاجية واستدامة.
وأعتقد أن القيمة الحقيقية للزيارة تكمن في قدرة القاهرة وبكين على استخدام هذه المناسبة لتحديد أولويات العقود المقبلة، بدل الاكتفاء بالاحتفال بما تحقق خلال العقود السبعة الماضية.
■ هل تتوقعون أن تشهد المرحلة المقبلة زيادة في الاستثمارات الصينية في مصر باعتبارها بوابة للأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية؟
نعم، وهناك العديد من المقومات التي تدعم هذا الاتجاه.
فمصر لا تقدم للصين سوقًا محلية فقط، وإنما توفر منصة إنتاج وتصدير إلى أسواق متعددة، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتفاقاتها التجارية، وقناة السويس، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
لذلك يمكن أن نشهد اهتمامًا أكبر بالاستثمارات الصينية في الصناعات التصديرية، والطاقة الجديدة، والسيارات الكهربائية، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، واللوجستيات والمناطق الصناعية.
لكن الأهم هو أن تتجه الاستثمارات نحو تعزيز المكون الإنتاجي ونقل التكنولوجيا، وألا تقتصر على الاستثمارات التقليدية.
ومن هنا، فإن القيمة الأهم للزيارة قد لا تكون في عدد الاتفاقيات التي سيتم توقيعها، وإنما في قدرتها على فتح مرحلة جديدة من العلاقة؛ تنتقل فيها مصر من موقع السوق المستقبلة للاستثمار إلى الشريك الإنتاجي والتصديري، وتنتقل الصين من مصدر للمشروعات والسلع إلى شريك في بناء القدرات ونقل التكنولوجيا والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
وهنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من مفهوم «الشراكة الاقتصادية» إلى «الشراكة الجيو–اقتصادية»، بما يربط المصالح الاقتصادية بالحضور الإقليمي والاستراتيجي للبلدين.
■ كيف تنظر بكين إلى الدور المصري في غزة؟
تنظر الصين إلى الدور المصري باعتباره دورًا محوريًا لا يمكن تجاوزه في أي مسار جاد للتعامل مع الأزمة في غزة.
فمصر تمتلك حدودًا مباشرة مع القطاع، وتؤدي دورًا أساسيًا في المساعدات الإنسانية والوساطة والاتصالات السياسية، فضلًا عن قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف المعنية.
ومن هنا، يمكن أن يتطور التعاون المصري–الصيني في هذا الملف من مجرد التنسيق السياسي إلى تعاون اقتصادي وتنموي أوسع، إذا توافرت الترتيبات السياسية والأمنية اللازمة.
ولا تقتصر أهمية هذا المسار على غزة نفسها، وإنما يمكن أن يمثل نموذجًا محتملًا للتعاون في إعادة إعمار مناطق الصراع، وإعادة بناء البنية الأساسية بعد الأزمات.
وبالتالي، فإن الدور المصري في غزة يمكن أن يمثل أحد الملفات التي تلتقي فيها القدرات السياسية والدبلوماسية المصرية مع الإمكانات الاقتصادية والتنموية الصينية.
■ مصر والصين دولتان فاعلتان في أفريقيا.. هل يمكن أن نشهد تنسيقًا مصريًا–صينيًا أكبر داخل القارة الأفريقية؟
نعم، وهذا أحد أهم المجالات الواعدة خلال المرحلة المقبلة.
فمصر تمتلك خبرة سياسية وجغرافية وعلاقات مؤسسية عميقة داخل أفريقيا، بينما تمتلك الصين قدرات مالية واستثمارية وتنموية واسعة.
ومن ثم، يمكن أن يتجه التعاون إلى مشروعات البنية التحتية والطاقة والنقل والأمن الغذائي والتحول الرقمي، مع إمكانية تطوير مشروعات ثلاثية مصرية–صينية في دول أفريقية، بما يحقق مصالح الطرفين ويدعم التنمية الأفريقية.
كما يمكن أن يشكل السودان والقرن الأفريقي مجالًا مهمًا للتنسيق المصري–الصيني في دعم الاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار، متى تهيأت الظروف السياسية والأمنية المناسبة.
وهذا الملف يكشف عن ميزة استراتيجية مهمة لمصر في الحسابات الصينية، وهي قدرتها على الربط بين الشرق الأوسط والبحر الأحمر والقارة الأفريقية، بما يعزز موقعها كشريك إقليمي محوري للصين.
■ كيف يمكن أن تؤثر زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ المرتقبة إلى مصر على الدور المصري داخل بريكس وعلى طبيعة التنسيق المصري–الصيني في إطار التجمع، خصوصًا مع عقد القمة الشهر المقبل؟
يمكن للزيارة أن تعطي دفعة سياسية مهمة للتنسيق المصري–الصيني داخل مجموعة بريكس.
فمصر تسعى إلى توظيف عضويتها في التجمع لتعزيز مصالحها الاقتصادية والمالية، وتنويع شراكاتها الدولية، بينما ترى الصين في مصر عضوًا مهمًا، بحكم موقعها ودورها العربي والأفريقي.
وبالتالي، قد نشهد خلال المرحلة المقبلة تنسيقًا أكبر بشأن عدد من الملفات، من بينها إصلاح النظام المالي الدولي، وزيادة استخدام العملات المحلية، وتمويل التنمية، وتعزيز التجارة والاستثمار بين دول الجنوب.
كما يمكن أن تسهم العلاقات الثنائية القوية بين القاهرة وبكين في دعم الدور المصري داخل التجمع، بحيث تتحول العضوية من إطار سياسي واقتصادي إلى منصة لتعزيز المصالح المصرية في الاقتصاد العالمي، وتنويع مصادر التمويل والاستثمار والتجارة.
■ في النهاية.. كيف يمكن اختصار الرسالة الأساسية لزيارة شي جين بينغ إلى مصر؟
الرسالة الأساسية هي أن زيارة 2026 لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد زيارة ثنائية أو احتفال بسبعين عامًا من العلاقات المصرية–الصينية، وإنما باعتبارها اختبارًا لقدرة القاهرة وبكين على الانتقال من شراكة اقتصادية ناجحة إلى شراكة استراتيجية أوسع.
هذه الشراكة ينبغي أن تكون قادرة على التعامل مع التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط وأفريقيا والنظام الدولي خلال العقد المقبل، وأن تقوم على المصالح المتبادلة والإنتاج ونقل التكنولوجيا والاستثمار والتنسيق السياسي.
ومن هنا، فإن نجاح الزيارة لن يقاس فقط بعدد الاتفاقيات التي ستُوقع، وإنما بمدى قدرتها على إعادة صياغة أولويات الشراكة المصرية–الصينية، وتحويل العلاقات التاريخية الممتدة إلى منصة لبناء مصالح استراتيجية مشتركة خلال السنوات المقبلة.
فالمرحلة الجديدة تتطلب أن تكون مصر شريكًا في الإنتاج والتكنولوجيا وسلاسل القيمة، وأن تكون الصين شريكًا في بناء القدرات، بما يحقق علاقة أكثر توازنًا واستدامة، ويمنح القاهرة وبكين مساحة أوسع للتأثير في البيئة الإقليمية والدولية.
