هذه جهتنا.. وماذا عن عُمان؟

 

 

ريم الحامدية

reem@alroya.info

 

في بعض الأماكن، لا تحتاج إلى أن تخوض معركة حتى تشعر أنك في معركة، يكفي أن تجلس حول طاولة واحدة، ويبدأ كل طرف في حساب كلماته وحدوده، وما الذي يُمكن أن يقوله دون أن يمنح الطرف الآخر أكثر مما ينبغي، نبتسم، نتبادل عبارات التَّعاون، نتحدث عن الشراكة، ثم نعود إلى مكاتبنا ونحن نتصرف وكأنَّ نجاح الطرف الآخر قد يأخذ شيئًا من رصيد نجاحنا.

ولستُ أفهم منذ متى أصبحنا نعمل بهذه الطريقة؟ منذ متى أصبحت الجهة الأخرى منافسًا لمجرد أنها تعمل في المجال نفسه؟ ومنذ متى صار تبادل المعرفة ضعفًا، وتسهيل الإجراءات تنازلًا، ونجاح الآخر شيئًا يستدعي الحذر؟

إلى متى سنمارس البيروقراطية حتى في علاقاتنا مع بعضنا؟ قد تكون المُعاملة بين إدارتين، أو مشروعًا يحتاج إلى أكثر من مؤسسة، أو مبادرة يفترض أن تجمع أكثر من طرف، لكننا أحيانًا نضع بين كل ذلك جدرانًا لا تبنيها القوانين، ولا تفرضها الأنظمة، جدرانًا نصنعها نحن.

نصنعها حين نتمسك بحدودنا أكثر مما نتمسك بالغاية، وحين يصبح همّنا أن نثبت أين يبدأ اختصاصنا وأين ينتهي اختصاص الآخر، بدل أن نسأل كيف يمكن أن يصل العمل إلى نهايته بأفضل صورة، نصنعها حين نقول: "هذا عندهم"، أو "خلهم يتواصلون معنا رسميًا"، أو نُؤجل معلومة يمكن أن تختصر أيامًا، فقط لأننا لا نُريد أن نكون الطرف الذي يُبادر.

عبارات صغيرة، وإجراءات قد تبدو عادية، لكنها حين تتكرر تتحول إلى ثقافة كاملة؛ ثقافة تجعل كل جهة تنظر إلى الأخرى من خلف مكتبها، بدل أن تنظر إليها من الجهة نفسها من الطاولة، والأغرب أننا قد نختلف في الاختصاص، لكننا لا نختلف في الغاية.

فالاقتصاد لا ينمو بجهة واحدة، والمشروع الوطني لا ينجح بمؤسسة واحدة، والخدمة التي تصل إلى الإنسان ليست إنجاز جهة منفردة، مهما كان اسمها، هناك غاية أكبر من حدود الإدارات، وأوسع من أسماء المؤسسات، وأهم من أن يسأل أحدهم: ما الذي سيعود عليّ؟. إنها عُمان.

وعُمان ينبغي أن تكون الغاية الأسمى التي تلتقي عندها كل الجهات، وكل المؤسسات، وكل الجهود، ينبغي أن نكون عونًا لبعضنا، لا عبئًا على بعضنا، أن نفتح الطريق حين نستطيع، وأن نشارك المعلومة حين تكون مشاركتها في مصلحة العمل، وأن نسهّل ما يمكن تسهيله، لا لأننا نُريد أن نظهر بصورة أفضل من غيرنا، وإنما لأننا جميعًا نعمل من أجل المكان نفسه والإنسان نفسه.

فنجاح جهة لا ينتقص من نجاح جهة أخرى، وإنجاز مُؤسسة لا يعني أن مؤسسة أخرى خسرت، بل إن نجاح أحدنا قد يكون بالضبط ما تحتاجه المنظومة كلها حتى تتقدم خطوة أخرى، وربما حان الوقت لأن نغيّر السؤال، بدل أن نسأل: من المسؤول؟

نسأل أولًا: كيف ننجزها معًا؟ وبدل أن نفكر في حدودنا، نفكر في الهدف الذي يجمعنا، فالتكامل لا يعني أن نتنازل عن الاختصاصات، ولا أن تختلط المسؤوليات، وإنما أن نفهم أن الاختصاص وُجد لتنظيم العمل، لا لتعطيل العمل؛ وأن الأنظمة وُجدت لتضبط الطريق، لا لتصبح جدرانًا في الطريق.

لا نحتاج إلى مزيد من عبارات الشراكة إذا بقيت الشراكة مجرد كلمة جميلة في الخطابات، نحتاج أن نعيش معناها في التفاصيل الصغيرة؛ في اتصالٍ لا نؤجله، ومعلومةٍ لا نحتكرها، وإجراءٍ لا نعقده، وبابٍ نفتحه لأننا نعرف أن خلفه عملًا يخدم هدفًا أكبر منا جميعًا.

ففي النهاية، لسنا جهاتٍ متنافسة على مساحة صغيرة من النجاح، نحن أجزاء من صورة واحدة، وما قيمة أن تنتصر جهة، إذا خسر الهدف؟ وما قيمة أن نحفظ حدودنا كاملة، بينما تتعطل الغاية التي اجتمعنا من أجلها؟ لذلك، ربما آن الأوان أن نهدم بعض الجدران التي صنعناها بأيدينا، وأن نتذكر دائمًا أنَّ ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا، فلسنا هنا لنثبت من كان الأسبق، ولا لمن تُنسب النتيجة، نحن هنا لنجعل عُمان هي الغاية الأسمى.

   

 

الأكثر قراءة

z