سُلطان بن خلفان اليحيائي
كل صباح تفتح البيوت أبوابها الصغيرة قبل أن تفتح المدارس أبوابها الكبيرة. يخرج الطفل بحقيبته ولا يدرك أنَّ الدقائق التي يقضيها في الحافلة ليست مجرد طريق إلى المدرسة. إنها رحلة تحمل أثمن ما لدى أسرته وأغلى ما يملكه الوطن.
نحن لا نضع في الحافلة حقائب وكتبًا وأدوات مدرسية. نحن نضع فيها أبناءنا.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي لا ينبغي أن ننتظر حادثة حتى نطرحه: هل منظومة النقل المدرسي مُصممة فقط لما هو متوقع؟ أم أنها مستعدة أيضًا لما قد يحدث فجأة؟
فالخطر لا يأتي دائمًا من الطريق. قد يأتي من خطأ بشري أو غفلة. وقد ينام طفل في آخر الحافلة فلا ينتبه إليه أحد. وقد يتعرض السائق لعارض صحي مُفاجئ أو يفقد وعيه أثناء القيادة أو يتعرض لحادث يجعله عاجزًا عن مواصلة الطريق.
وعندها يبقى السؤال الأخطر: من يمسك المقود؟
هنا أطرح فكرة تستحق الدراسة الجادة: أن تكون الحافلة المدرسية مزودة بسائقين اثنين مؤهلين بدلًا من سائق واحد ومشرف أو مشرفة.
ولا يتعلق الأمر بإضافة موظف آخر لمجرد زيادة عدد العاملين. المقصود إنشاء طبقة أمان بشرية إضافية. سائق ثانٍ يحمل رخصة السياقة المناسبة ويتلقى تدريبًا متخصصًا في السياقة الوقائية والطوارئ والإسعافات الأولية والتعامل مع الطلبة ويكون قادرًا على تولي القيادة فورًا إذا فقد السائق الأول قدرته عليها.
وقد يكون أول سؤال: ومن يتحمل تكلفة السائق الثاني؟
وهو سؤال مشروع. لكن عندما نتحدث عن أطفالنا فإننا نتحدث عن فلذات أكبادنا، ولا ينبغي أن تكون نقطة البداية: كم سيكلفنا السائق الثاني؟ بل: كم تساوي حياة طفل؟ عندها تتغير زاوية النظر.
ثم إن السائق الثاني يمكن أن يحمل قيمة تتجاوز السلامة. فهذه الوظيفة يمكن أن تتحول إلى مسار وطني لتأهيل الشباب العُماني الباحثين عن عمل في مجال يحتاج إلى مهارات محددة ومسؤولية عالية. تدريب واعتماد وتشغيل في قطاع حيوي. وهكذا نحقق أمرين في وقت واحد: فرصة عمل جديدة وطبقة أمان جديدة لأبناء الوطن.
وهنا تبرز نقطة أخرى تستحق الدراسة. ففكرة وجود أكثر من سائق في بعض أنشطة النقل ليست غريبة على التشريع العُماني. فإذا كان وجود سائقين قد اعتُبر عنصرًا من عناصر التشغيل والسلامة في حافلات النقل المنتظم للركاب فمن حقنا أن نسأل: لماذا لا ندرس المبدأ ذاته في الحافلات المدرسية التي تحمل أطفالًا؟
لا نقول إن النظامين متطابقان. وإنما نقول إن قيمة الأرواح التي تحملها الحافلة المدرسية تستحق أن تجعل هذا السؤال حاضرًا على طاولة أصحاب القرار.
ولعل الطيران يقدم لنا مثالًا واضحًا على فلسفة الاحتياط. فوجود طيارين في قمرة القيادة رغم تأهل كل منهما لقيادة الطائرة ليس تشكيكًا في كفاءة أحدهما. إنه طبقة أمان إضافية في منظومة تحمل أرواحًا.
الحافلة المدرسية ليست طائرة. نعم. لكن الأرواح التي تحملها ليست أقل قيمة.
والطفل داخل الحافلة أكثر اعتمادًا على الآخرين. طفل نائم قد لا يدرك أنه وصل إلى نهاية الرحلة. وطفل صغير قد لا يعرف كيف يتصرف في الطوارئ. وطفل خائف قد لا يستطيع اتخاذ القرار الصحيح في لحظة الخطر.
ولهذا فإن المسؤولية لا ينبغي أن تختصر في التأكد من أن السائق مؤهل. بل يجب أن تمتد إلى السؤال الأهم: ماذا يحدث إذا عجز المؤهل؟
وهنا يظهر الفرق بين تأهيل الشخص وتأمين المنظومة... الأول ضروري، والثاني أكثر ضرورة.
لقد قطعت الجهات المختصة خطوات مهمة في تطوير منظومة النقل المدرسي من خلال اشتراطات السلامة والتدريب واستخدام التقنيات الحديثة مثل أنظمة التتبع والاستشعار والمراقبة. وهذه جهود مهمة ينبغي البناء عليها.
لكن التقنية مهما بلغت لا تلغي الحاجة إلى الاحتياط البشري.. الكاميرا ترصد.. وجهاز التتبع يحدد الموقع. وجهاز الاستشعار ينبه.. لكن عندما يصبح السائق عاجزًا عن القيادة فإن أيًا من هذه الأدوات لا يستطيع أن يمسك المقود.
وهنا يأتي دور السائق الثاني.. ليس بديلًا عن التقنية ولا عن المشرف ولا تشكيكًا في السائق الأول. بل هو احتياط بشري لطارئ بشري.
وقد تكون الكلفة هي العقبة الأولى. لكن الكلفة يمكن أن تُدرس ويمكن تطبيق المقترح تدريجيًا. يمكن البدء بالحافلات ذات الأعداد الكبيرة أو المسارات الطويلة أو الأكثر ازدحامًا. ويمكن إعادة النظر في نماذج التشغيل والعقود وربط المشروع ببرامج تدريب الباحثين عن عمل.
والأهم ألا نرفض الفكرة قبل دراسة جدواها.. فالمقترحات التي تمس سلامة الأطفال تستحق أن تمر عبر المؤسسات المختصة وأن تُدرس ماليًا وفنيًا وتشريعيًا. ويمكن أن يكون مجلس الشورى نقطة انطلاق لدراسة المقترح ومناقشته ورفع نتائجه إلى الجهات المختصة متى اقتضت الحاجة.
فالقرار في مثل هذه القضايا لا ينبغي أن يُبنى على الانطباع ولا على الخوف من الكلفة ولا على انتظار الحادث. بل على دراسة المخاطر وتقدير قيمة الوقاية.
لقد تغير مفهوم السلامة. لم يبق قائمًا فقط على منع الخطأ. بل أصبح قائمًا على الاستعداد للخطأ واحتواء آثاره قبل أن تتحول إلى كارثة.
وفي كل صباح ستتحرك الحافلات سيصعد الأطفال. ستغلق الأبواب وتبدأ الرحلة. وستبقى الأسرة تنتظر عودة أبنائها وهي مطمئنة إلى أنهم في أيدٍ أمينة.
لكن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من الاعتقاد بأن كل شيء سيمضي على خير. بل من الثقة بأن المنظومة أعدّت نفسها حتى لما لم يكن في الحسبان.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل رحلة ليس فقط: هل سائقنا يقود جيدًا؟ بل: ماذا أعددنا إذا لم يستطع أن يقود الحافلة؟ فالطفل لا يحتاج فقط إلى سائق يجيد القيادة. بل يحتاج إلى منظومة تعرف ماذا تفعل عندما لا يستطيع السائق أن يقود الحافلة.
الأمان الحقيقي ليس أن نعتقد أن الحادث لن يقع.. الأمان الحقيقي أن نكون مستعدين عندما يقع ما لم نحسب له حسابًا.. وحين تكون الحافلة محملة بأبناء الوطن فإن الاحتياط ليس مبالغة.. الاحتياط هو المسؤولية نفسها.
