صالح الغافري
قال الله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم [الإسراء: 70]، والكرامة حق يُولد مع الطفل ويجب أن تُصان من كل أذى. وقال النبي ﷺ: كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالحماية مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمجتمع.
الحماية من الأذى هي الجدار الأول الذي يصون الجسد من العنف، ويحمي النفس من التنمر، ويحفظ العقل من التشويه، ويقي الروح من الانكسار. تبدأ من البيت حيث يتعلم الطفل أنَّ الحب أمان، ثم في المدرسة حيث تُغرس القيم وتنعكس على سلوكه، وتستمر إلى الجامعة حيث تتوسع المسؤولية لتشمل المجتمع بأسره، فيُبنى جيل متوازن قادر على حماية نفسه وخدمة وطنه.
وتتنوع الحماية بين الجسدية التي تصون الطفل من الضرب والإهمال والتحرش، والنفسية التي تحميه من التنمر والضغط النفسي وتزرع فيه الثقة، والرقمية التي تقيه من مخاطر الإنترنت والمحتوى الضار، والاجتماعية التي تبني مجتمعًا قائمًا على الاحترام والكرامة. هذه الأنواع تعمل في انسجام لتشكل جدارًا واحدًا يقف أمام كل خطر يُهدد الطفل.
ويبرز هنا دور الحكومة التي وضعت الحماية من الأذى في صميم سياساتها عبر وزارة التعليم التي ترسخ القيم في المناهج والأنشطة، ووزارة التنمية الاجتماعية التي تُعنى بالأسرة والطفل وتقدم برامج الرعاية والدعم، ووزارة الصحة التي تتابع صحة الطفل الجسدية والنفسية وتكشف عن حالات الإساءة والإهمال، إلى جانب مؤسسات أخرى تحفظ حقوق الطفل وتنشر الوعي وتقدم الدعم النفسي والاجتماعي. هذه الجهات مجتمعة تشكل شبكة وطنية هدفها أن يعيش الطفل والمُواطن في بيئة آمنة تحفظ كرامته وتدعم استقراره.
المراحل الكشفية والإرشادية منهاج حياة، فهي ليست مجرد أنشطة مؤقتة، وإنما مسار تربوي متكامل يُمارس يوميًا عبر النظام والانضباط والسلوك الفردي والجماعي. وتشمل أنشطته الرحلات التي توسع المدارك، والمخيمات التي تُنمّي روح التعاون، والمعسكرات التي تُعزز الاعتماد على النفس، وخدمة المجتمع التي تُرسخ قيمة العطاء، والمنافسة بين الطلائع التي تُنمي روح التحدي والانضباط الجماعي.
النشاط الكشفي والإرشادي ساحة تربوية وتنافسية تصقل شخصية المنتسب وتعلمه المسؤولية والعمل الجماعي. يبدأ التنافس من الطلائع داخل المدرسة ويتوسع ليشمل المدارس والمحافظات، مما يعزز الهوية الوطنية ويرفع مستوى الأداء.
المخيمات والتجمعات الكبرى محطات حاسمة، فيها يتعلم المنتسب الاعتماد على النفس والتعاون واحترام القوانين، ويكوّن صداقات ومعارف تمتد معه إلى ما بعد الدراسة. كما يتيح النشاط الكشفي والإرشادي للمنتسب أن يمثل وطنه في المخيمات الخليجية والعربية والعالمية، ليكون سفيرًا لقيم الانتماء والقيادة والمسؤولية.
وفي المدرسة يظهر المنهاج الكشفي والإرشادي في صور متعددة؛ في جدول المناوبة الذي يحفظ النظام ويُعلّم المسؤولية، وفي العرين الكشفي والإرشادي الذي يعرض أعمال الطلائع ويُبرز روح التعاون، وفي المكتبة التي تُغذيهم بالمعرفة، وفي ركن المخيم حيث يمارس الفتية والفتيات التطبيقات العملية التي تُرسخ الانضباط والعمل الجماعي بروح الفريق الواحد. هذه المكونات تجعل المدرسة بيئة تدريبية متكاملة تُحوّل القيم النظرية إلى ممارسات يومية تُبنى عليها شخصية كشفية وإرشادية قادرة على القيادة في المستقبل.
ويقوم المنهاج الكشفي والإرشادي على نظام الرتب والترقي الذي يتدرج فيه المنتسب من مبتدئ إلى نائب عريف ثم عريف وصولًا إلى عريف أول، وكل رتبة تحمل مسؤولية عملية تُرسخ قيم القيادة والعمل الجماعي. وإلى جانب الرتب هناك الشارات التي تُمنح وفق معايير واضحة، فهي مؤشرات على مهارات مكتسبة، وتنقسم إلى شارات الهواية، والكفاية، والترقي، والجدارة. وهكذا يصبح المنهاج نظامًا تربويًا متكاملًا يجمع بين المسؤولية والمهارة، ويحوّل القيم النظرية إلى ممارسة واقعية تُبنى عليها شخصية قادرة على خوض أي عمل أو مهنة مستقبلية.
وفي برامج المراحل الكشفية والإرشادية تتجلى شواهد واضحة في الحماية من الأذى؛ فالزهرات والأشبال يتعلمون إزالة الأذى ومساعدة الآخرين، والكشافة يتدربون على مواجهة التنمر والإبلاغ عن الإساءة، والمرشدات يخلقن بيئة آمنة داعمة تعزز الثقة والاحترام، أما عشائر الجوالة والجوالات فيمارسون الحماية الرقمية والمجتمعية ويقودون حملات الوعي وخدمة المجتمع.
والمنتسب يسعى لاكتساب عشر صفات أساسية هي: صادق، مخلص، نافع، ودود، مؤدب، رفيق، مطيع، باش، مقتصد، نظيف. وهذه الصفات تُرصد وتُسجل في تقارير الإنجاز، فتحصن أعضاء الفرقة من الانحراف وتبنيهم على أسس الانضباط والاحترام، وتصب مباشرة في رسالة المنهاج الكشفي والإرشادي الذي يهدف إلى ترسيخ قيم الولاء والمواطنة وتعزيز خدمة المجتمع.
الحماية من الأذى منهاج متكامل تلتزم به المنظمات الكشفية والإرشادية عالميًا ووطنياً، وقد أقرت المنظمة العالمية للحركة الكشفية أن كل قائد يجب أن يخضع لتدريب إلزامي ويحصل على شهادة معتمدة في الحماية والوقاية ليكون مؤهلًا لرعاية الفتية والفتيات في بيئة آمنة. غير أن المنهاج الكشفي والإرشادي في مدارسنا ما زال نشاطًا غير ملزم، وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر فيه ودراسته وتوصيفه بما يتوافق مع المراحل العمرية والفئات السنية، ليبقى منهاجًا تربويًا عامًا لجميع الطلبة ويعزز الانتماء ويصنع أجيالًا قادرة على النهوض بالوطن.
وعندما يُطبق هذا المشهد التربوي في مدارسنا بصورة منهاج رسمي يُمارس يوميًا، سيجد جميع الطلبة أنفسهم أمام تجربة تعليمية متكاملة، يتعلمون فيها منذ الصغر قيم الحماية والوقاية، ويكتسبون مهارات الانضباط والعمل الجماعي، وتُسجل إنجازاتهم في تقارير واضحة تعكس نمو شخصياتهم وتطور قدراتهم. والطموح يبقى في تحويل المنهاج الكشفي والإرشادي إلى إطار وطني شامل يعزز الانتماء ويصنع أجيالًا قادرة على حماية ذاتها وخدمة مجتمعها، في مشهد جامع يربط التربية بالحماية ويجعل المدرسة مصنعًا للقيم والقيادة.
وتتجلى أهمية استمرارية الحركة الكشفية والإرشادية في كونها مشرعًا للتنشئة وغرس القيم والمواطنة وخدمة المجتمع، فقد تم تدشين لجنة رواد الكشافة والمرشدات عام 2023 تحت مظلة المديرية العامة للكشافة والمرشدات لتعزيز التواصل بين الأجيال، وحصلت على الاعتراف العربي وتسعى للاعتراف العالمي، لتؤكد أن المسيرة التي بدأت منذ 1932 ما زالت مستمرة، ويقصد برواد الحركة القادة القدامى الذين سلموا الراية للأجيال الشابة، ويكمن دورهم اليوم في تقديم المشورة ونقل الخبرات ودعم التنمية المجتمع.
