نور بنت محمد الشحري
سؤال يبدو موسميًا؛ نطرحه مع حقائب جديدة، ومدارس تستعيد أصواتها، وأمهات يعدن إلى ضبط ساعات النوم، وآباء يحسبون ما تبقى من مصروفات البداية. لكنه، كلما فكرت فيه، بدا لي أكبر من عام دراسي كامل.
فالسؤال الحقيقي ليس كيف سيكون التعليم هذا العام، بل: كيف سيكون أبناؤنا عندما يصلون إلى العام الذي أعددنا عُمان من أجلهم فيه؟
2040 ليس رقمًا بعيدًا في وثيقة حكومية. إنه أعمار أطفالنا وهي تمضي. ومن هنا أعود دائمًا إلى البداية؛ إلى السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، حين قال: «سنعلم أبناءنا ولو تحت ظل الشجر». كثيرًا ما نستحضر العبارة بوصفها شاهدًا على بساطة البدايات، بينما أراها أكبر من ذلك. لم يكن الظل مشروعه للتعليم؛ كان إعلانه أن الإنسان سيسبق الإمكانات، وأن انتظار اكتمال الظروف ليس عذرًا لتأجيل بنائه.
ثم لم يبق التعليم تحت الشجر.
كبرت المدرسة، وكبرت معها أسئلة الدولة. صار التعليم مؤسسات وجامعات وبحثًا علميًا وابتكارًا، وكلما بلغ أعز الرجال وأنقاهم بعُمان مرحلة، بدا كأنه ينظر إلى التي بعدها. حتى امتد النظر إلى ما بعد زمنه، فجاءت رؤية عُمان 2040 بإرادته السامية، وعهد برئاسة لجنتها الرئيسية إلى السيد هيثم بن طارق آنذاك.
وفي ذلك معنى يستحق أن نتأمله أكثر مما نرويه: القائد الحقيقي لا يبني زمنه فقط؛ يبني قدرة وطنه على الاستمرار من بعده.
وحين حمل حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- الأمانة، كان يعرف الطريق الذي شارك في رسم ملامحه، ويحمل إرث سلاطين آل سعيد في رعاية عُمان وصون شأنها؛ أمانة تتعاقب عليها الأجيال، فيما يبقى الوطن هو الغاية. ولعل «النهضة المتجددة» أبلغ وصف لهذا الامتداد: جذور راسخة، وأفق يتسع.
والتعليم هو أكثر الأماكن التي نستطيع أن نرى فيها معنى هذا الامتداد.
بالأمس كان التحدي أن تصل المدرسة إلى الطفل. واليوم أصبحت المدرسة في كل مكان تقريبًا، وأصبح العالم نفسه في يد الطفل.
وهنا بدأت المشكلة الجديدة؛ فالطفل الذي كان أبوه يبحث له عن المعلومة، أصبحت المعلومة تبحث عنه. هاتفه يعرف ما يحب، وما يشاهد، ومتى يتوقف، وما الذي يعيده إلى الشاشة مرة أخرى. ونحن أمام جيل من الآباء والأمهات تشكل بعض وعيه قبل الإنترنت، وجيل من المعلمين عاش انتقال المعرفة من الكتاب إلى الشاشة، بينما يجلس أمامهما طفل لم يعرف عالمًا بلا خوارزميات.
فهل تكفي طرائق الأمس لتربية عقل الغد؟
لهذا توقفت طويلًا عند كلمات جلالة السلطان هيثم حين قال: «إن تربية الأبناء لا تتم عبر شبكات التواصل الاجتماعي».
ليست المسألة رفضًا للتقنية؛ فجلالته- أيده الله- دعا إلى الانفتاح على العالم في توازنٍ لا يُفقدنا أصالتنا وهويتنا. المسألة: من يربي من؟
الخوارزمية قد تعرف ما يجذب ابنك، لكنها لا تعرف من تريد أنت أن يكون ابنك. لا تعرف ذاكرة أسرته، ولا قيم مجتمعه، ولا عُمان التي سيحمل مسؤوليتها يومًا.
وهنا أقول للأب والأم شيئًا آخر.. ربما أرهقتكما السنوات الماضية. ربما أخذت الظروف الاقتصادية من بعض أحلامكما، وربما نظرتما إلى ما لم تستطيعا توفيره لأبنائكما أكثر مما نظرتما إلى ما صنعتماه لهم.
لكن بناء الأوطان لا تؤكل ثماره كلها في جيل واحد. ثمة آباء يزرعون أشجارًا يعرفون أن أبناءهم سيجلسون في ظلها.
وما تبنيه عُمان اليوم من اقتصاد ومعرفة وتقنية وفرص واستثمار، وما تستهدفه رؤية 2040 من قدرات وطنية منافسة، سيجد كثير من ثماره أبناء يجلسون اليوم على مقاعد المدارس.
فلا يكونن تعويضنا لهم عن صعوبة ما عشناه أن نمنحهم حياة بلا صعوبة. أعدّوهم للفرصة بدل أن تزيلوا من طريقهم كل عثرة. علموهم أن الدولة تستطيع أن تفتح الباب، لكنها لا تستطيع أن تمشي عنهم.
وهنا يأتي المعلم.
لم يعد مطلوبًا منه أن يعرف أكثر من الإنترنت؛ تلك معركة خاسرة أصلًا. المطلوب أن يمتلك ما لا تملكه الآلة: أن يرى الطفل خلف الإجابة، وأن يوقظ السؤال، وأن يميز الموهبة التي تختبئ أحيانًا خلف طالب هادئ، أو كثير الحركة، أو مختلف عن بقية الصف.
علينا أن نخفف قليلًا من سؤال: «كم حصل؟» ونسأل: «ماذا أصبح يستطيع أن يفعل بما تعلم؟»
نريد مختبرًا يُجرَّب فيه، ومكتبة تُقرأ، وفنًا يُمارس، ورياضة تبني الجسد والانضباط، ولغة تبني الفكر، وعلمًا يوقظ الفضول. نريد طالبًا يعرف القانون والمال والبيئة والمجتمع، يعرف كيف يختلف دون أن يسيء، وكيف ينفتح دون أن يذوب.
فنحن لا نُعد موظف 2040. نحن نربي إنسانها.
وفي ظفار، لا نبدأ من فراغ. حين يصل أبناؤها إلى منصات وطنية ودولية في العلم والابتكار، فإنهم لا يقدمون لنا جوائز فحسب؛ يقدمون لنا دليلًا على أن القدرة موجودة. والسؤال الأهم ليس كيف نحتفي بالموهوب بعد ظهوره، بل: كم موهبة لم نكتشفها بعد؟
وهنا أقرأ اهتمام صاحب السمو السيد مروان بن تركي آل سعيد محافظ ظفار، بالشباب والتعليم والابتكار ضمن المشهد التنموي للمحافظة قراءة تتجاوز المناسبة والفعالية. فحين يقول سموه لأبنائه الطلبة إن مدارسهم ليست مجرد جدران ومقاعد، وإنما مصانع للأفكار ومنصات للأحلام، ثم يقول لهم: «لا تجعلوا لشغفكم سقفًا»، فإن العبارة تضع مسؤولية على الكبار أيضًا: إذا طلبنا من الطفل ألا يضع سقفًا لشغفه، فعلينا نحن ألا نضع سقفًا لفرصه.
على المدرسة أن تكتشفه، والأسرة أن تسنده، والمعلم أن يراه، والمجتمع أن يفتح له مساحاته، والدولة أن تجعل جودة التعليم طريقًا يصل إليه كل طفل، لا امتيازًا يصل إليه الأكثر حظًا.
ولا نطلب من المدرسة أن تغرس صباحًا ما ننقضه مساءً. لا نصنع قارئًا في بيت لا يقرأ، ولا طفلًا يحترم العمل في مجتمع يحتفي بالوصول السهل، ولا وعيًا رقميًا ونحن أسرى للشاشات.
التربية لا تنجح بالتناقض.
لهذا، عندما يسألني أحدهم: كيف سيكون التعليم هذا العام؟
لا أعرف.
وربما لا ينبغي أن نجيب عنه الآن.
فالجواب الحقيقي لن نجده في نهاية الفصل الدراسي، ولا في نسب النجاح، ولا في صور المتفوقين.
سنراه بعد سنوات، حين يقف أطفال هذا الصباح في المواقع التي نقف نحن فيها اليوم، وحين تصبح عُمان 2040 وطنهم الذي يديرونه، لا رؤية ينتظرونها.
هناك فقط سنعرف ماذا فعلنا بالتعليم.
وسيكون بعض الآباء الذين زرعوا اليوم قد تقدم بهم العمر، ينظرون إلى أبنائهم وهم يحصدون ما لم يتسع العمر أو الظرف ليحصدوه هم.
وعندها ربما نفهم أن أجمل ما يتركه جيل لجيل ليس أن يوفر له حياة بلا تعب، بل أن يترك له وطنًا مليئًا بالفرص، ويربيه ليكون أهلًا لها.
فالسؤال لم يكن يومًا: كيف سيكون التعليم هذا العام؟ بل: كيف ستكون عُمان حين يصبح أطفال هذا العام رجالها ونساءها؟
