د. علي بن حمدان بن محمد البلوشي **
في كل مؤسسة لحظة فارقة تبدأ فيها الأسئلة الصعبة: لماذا يستغرق إنجاز المعاملة أياماً بينما يمكن إنجازها في ساعات؟ لماذا تتعدد الإدارات واللجان بينما تتكرر الاختصاصات؟ ولماذا يزداد عدد الموظفين دون أن ترتفع الإنتاجية بالقدر نفسه؟ وهل المشكلة فعلاً في الموظف، أم في النظام الإداري الذي يعمل داخله؟
هذه الأسئلة تقودنا إلى مفهوم أصبح حاضراً بقوة في النقاش الإداري المعاصر، هو «الترهل الإداري»؛ ذلك المرض الصامت الذي لا يظهر فجأة، وإنما يتسلل إلى المؤسسة تدريجياً عبر تضخم الهياكل، وتكرار الاختصاصات، وتعدد المستويات الإدارية، وطول الإجراءات، وضعف المساءلة، حتى تصبح المؤسسة مشغولة بإدارة نفسها أكثر من انشغالها بتحقيق أهدافها.
والترهل الإداري في مفهومه الحديث لا يعني ببساطة كثرة الموظفين، وإنما يشير إلى حالة من عدم التوازن بين الموارد البشرية والتنظيمية والإجراءات من جهة، وحجم الأعمال والنتائج والقيمة التي تحققها المؤسسة من جهة أخرى، وقد تناول المفكرون جذور هذه الظاهرة من زوايا مختلفة؛ فـ«ماكس فيبر» وضع أسس النموذج البيروقراطي القائم على التخصص وتسلسل السلطة والقواعد، بينما نبّه «روبرت ميرتون» إلى أن الإفراط في الالتزام بالقواعد قد يحولها من وسيلة لتنظيم العمل إلى عائق أمامه، وجاء «باركنسون» ليشير إلى ميل الجهاز البيروقراطي إلى التوسع حتى عندما لا يتوسع حجم العمل بالقدر نفسه.
وفي الإدارة الحديثة اتسع المفهوم ليشمل كل مورد أو هيكل أو إجراء لا يضيف قيمة تتناسب مع تكلفته، فأصبح الترهل يقاس بالوقت الضائع، وتكرار العمل، وبطء القرار، وضعف الإنتاجية، وليس بعدد الموظفين فقط.
ومن هنا فإن التكدس الوظيفي قد يكون أحد أهم أسباب الترهل الإداري، لكنه ليس الترهل ذاته، فوجود عدد كبير من الموظفين في مؤسسة تقدم خدمات واسعة لا يعني بالضرورة أنها مترهلة، كما أن مؤسسة صغيرة قد تكون شديدة الترهل إذا كانت تعاني من تعدد المديرين، وتداخل الصلاحيات، وطول دورة الموافقات، وغياب مؤشرات الأداء. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح عدد العاملين أو مستويات الإدارة أو الإجراءات أكبر من الحاجة الفعلية، أو عندما تستمر وظائف وهياكل نشأت لاحتياجات قديمة رغم تغير طبيعة العمل. ولذلك ينبغي أن يتحول السؤال من «كم موظفاً لدينا؟» إلى «ماذا ينتج هؤلاء الموظفون؟ وما القيمة التي يضيفونها؟ وهل تتناسب موارد المؤسسة مع نتائجها؟».
وفي سلطنة عُمان، لم يكن هذا الموضوع بعيداً عن النقاش العام حول تطوير الجهاز الإداري للدولة. فقد وصف الأكاديمي والاقتصادي العُماني الدكتور محمد الوردي بعض مظاهر الجهاز الحكومي بالتضخم والبيروقراطية وتداخل الاختصاصات وضعف الإنتاجية، وربط ذلك بالتوسع في التوظيف الحكومي وتعدد المؤسسات والوحدات وبعض أوجه القصور في التقييم والترقية.
ومع إدراك الدولة لأهمية تطوير الجهاز الإداري، جاءت خلال السنوات الماضية خطوات لإعادة هيكلة الجهاز الحكومي ودمج بعض الجهات، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الأداء والتحول الرقمي، في إطار التوجهات المرتبطة برؤية عُمان 2040. وهو توجه يعكس فهماً مهماً بأن علاج الترهل لا يتم فقط بتقليص الوظائف، وإنما بإعادة تصميم المؤسسة وطريقة عملها.
وتؤكد التجارب الخليجية أن الترهل الإداري ليس تحدياً عُمانياً منفرداً. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة اتجهت الحكومة إلى إعادة هيكلة الجهاز الاتحادي ودمج جهات وتقليص مراكز الخدمة والتحول إلى المنصات الرقمية، ثم أطلقت برنامج «تصفير البيروقراطية الحكومية» بهدف إزالة الإجراءات والمتطلبات غير الضرورية وتقليل زمن تقديم الخدمات. وفي المملكة العربية السعودية جاءت إعادة هيكلة الأدوار الحكومية ضمن التحول الشامل الذي تقوده رؤية السعودية 2030، بهدف رفع الكفاءة وتسريع القرار ومواءمة الجهاز الحكومي مع الاحتياجات المستقبلية.
أما دولياً، فتقدم سنغافورة وإستونيا نموذجين لافتين؛ إذ لم تكتفيا بإعادة ترتيب الهياكل، وإنما أعادتا تصميم العلاقة بين الحكومة والمستفيد من خلال الخدمات الرقمية وتبادل البيانات وربط الأنظمة، بحيث اختفت كثير من الخطوات التي كانت تتطلب وقتاً وموظفين وإجراءات متكررة.
والنتيجة التي تكشفها هذه التجارب واضحة: الترهل الإداري له ثمن مؤسسي مرتفع. فهو يؤدي إلى بطء اتخاذ القرار، وارتفاع التكلفة التشغيلية، وضعف الإنتاجية، وتراجع الابتكار، وإضعاف المسؤولية الفردية، وقد يدفع الكفاءات إلى مغادرة البيئة التي لا تكافئ الإنجاز. كما ينعكس في النهاية على المستفيد؛ فكل إجراء إضافي، وكل توقيع غير ضروري، وكل مستوى إداري زائد، يعني وقتاً وتكلفة إضافية. لكن الخطأ المقابل هو الاعتقاد بأن العلاج يكمن في تقليص الموظفين بصورة عشوائية؛ فالمؤسسة الرشيقة ليست المؤسسة التي لديها أقل عدد من العاملين، وإنما التي تمتلك العدد المناسب والمهارات المناسبة في المكان المناسب.
وهنا تظهر مسؤولية القيادات بوضوح، فالترهل لا يستمر لسنوات من دون قرارات قيادية تسمح له بالاستمرار. وقد تصنعه القيادة عندما تنشئ إدارات جديدة دون مراجعة القديمة، أو تستحدث وظائف دون تحليل للاحتياج، أو تسمح بتداخل الاختصاصات، أو تركز على الحضور بدلاً من النتائج، أو تتردد في إعادة توزيع الموظفين مع تغير طبيعة العمل، أو لا تربط الترقية والمكافأة بالأداء. وفي المقابل تستطيع القيادة أن تكون نقطة التحول عندما تطرح الأسئلة الصحيحة: ما القيمة التي تضيفها هذه الإدارة؟ هل ما زالت هذه الوظيفة ضرورية؟ هل يمكن اختصار هذه الخطوات؟ هل نحتاج إلى هذه الموافقات؟ وهل تستطيع التقنية إنجاز هذه المهمة بدلاً من الإنسان؟ فالإدارة الحديثة لا تقيس قوة المؤسسة بعدد الإدارات والموظفين، وإنما بسرعة الإنجاز وجودة القرار ورضا المستفيد والنتائج المتحققة.
ولذلك فإن مواجهة الترهل تبدأ بإعادة تصميم المؤسسة لا بإعادة توزيع المقاعد. ويأتي في مقدمة الحلول مراجعة الهيكل التنظيمي، وإلغاء الازدواجية، ودمج الوحدات المتشابهة، وربط القوى العاملة بحجم العمل الفعلي، وتحويل الموارد من الوظائف منخفضة القيمة إلى الوظائف المستقبلية، وتطبيق مؤشرات أداء حقيقية، مع تطوير القيادات ونظم الموارد البشرية. ثم يأتي التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ليؤدي دوراً أكبر في أتمتة الأعمال الروتينية، وتحليل البيانات، وتسريع الخدمات، ودعم القرار، لكن هناك قاعدة أساسية يجب ألا تغيب: لا ينبغي رقمنة الإجراء المعقد قبل تبسيطه؛ لأن تحويل التعقيد الورقي إلى تعقيد إلكتروني لا يصنع مؤسسة حديثة.
وتقدم الإمارات مثالاً على الانتقال من إعادة الهيكلة إلى «تصفير البيروقراطية»، بينما تمثل سنغافورة نموذجاً في بناء حكومة تعمل كمنظومة واحدة، وتوضح تجربة إستونيا كيف يمكن للبنية الرقمية وتبادل البيانات أن يلغيا كثيراً من الأعمال المتكررة. أما سلطنة عُمان فقد ربطت إصلاح الجهاز الإداري بمستهدفات رؤية عُمان 2040، ومنظومات قياس الأداء، وتبسيط الخدمات والتحول الرقمي. وهذه التجارب جميعها تقول شيئاً واحداً: لا يمكن القضاء على الترهل باستراتيجية واحدة؛ بل بمنظومة متكاملة تجمع بين القيادة، والاستراتيجية، وإعادة الهيكلة، وإدارة المواهب، وقياس الأداء، والتقنية.
وفي النهاية، فإن الترهل الإداري ليس قدراً محتوماً على المؤسسات، لكنه يصبح كذلك عندما تتحول الهياكل القديمة إلى أمر مسلم به، وتصبح الإجراءات غاية، ويصبح عدد الموظفين معياراً للنجاح بدلاً من قيمة ما يحققونه. والمؤسسة التي تريد أن تحافظ على قدرتها التنافسية في المستقبل مطالبة بأن تراجع نفسها باستمرار: هياكلها، ووظائفها، وإجراءاتها، ومهارات موظفيها، وتقنياتها، وقياداتها. فالإصلاح الحقيقي لا يعني أن تصبح المؤسسة أصغر، وإنما أن تصبح أكثر رشاقة، وأسرع قراراً، وأعلى إنتاجية، وأفضل خدمة.
وربما تلخص القاعدة الذهبية لمواجهة الترهل الإداري في عبارة واحدة: ألغِ ما لا يضيف قيمة، وبسّط ما يمكن تبسيطه، وأتمت ما يمكن أتمتته، وطوّر من يضيف قيمة، وحاسب على النتائج، وجدّد الهيكل كلما تغيرت الاستراتيجية.. عندها فقط تنتقل المؤسسة من إدارة الإجراءات إلى صناعة الإنجاز، ومن مقاومة التغيير إلى قيادة المستقبل.
**مستشار أكاديمي
