يارا الحايك**
ثمة فرق بين أن يحمل الإنسان ذاكرة، وأن تحمل الذاكرة الإنسان. فكل واحد منا يحمل في داخله شيئًا من الماضي: موقفًا خذله، شخصًا كسر ثقته، علاقة انتهت على نحو لم يتوقعه، أو حلمًا لم يكتمل.
لا أحد يخرج من الحياة بلا ندوب، لكن المشكلة لا تكمن في وجود الندبة، بل في أن تتحول إلى هوية، وأن يصبح الألم القديم الطريقة التي نرى بها كل ما يأتي بعده، فالإنسان الواقعي لا ينكر ما حدث له، ولا يجمّل الخسارة، ولا يتظاهر بأن الحياة عادلة دائمًا، لكنه يدرك أن الاعتراف بالألم شيء، وتسليم المستقبل له شيء آخر. الواقعية ليست أن نتوقع الأسوأ، كما أن الإيجابية ليست أن نقنع أنفسنا بأن كل شيء سيكون بخير. الواقعية الناضجة هي أن نرى الحياة كما هي، بكل ما فيها من تعقيد ونقص وخسارة، ثم نسأل أنفسنا: ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟
ومن هنا يبدأ الفرق بين الإنسان الذي يتعلم من تجربته والإنسان الذي يصبح أسيرًا لها، فقد يمر شخصان بالتجربة نفسها؛ أحدهما يخرج منها أكثر حكمة، والآخر يخرج منها أكثر حقدًا. الأول يقول: "تعلمت أن أكون أكثر حذرًا"، بينما يقول الثاني: "لا يمكن الوثوق بأحد". الأول يستخلص الدرس، والثاني يعمم الجرح. وبين الاثنين مسافة كبيرة من الوعي.
ولعل الحقد هو أوضح صورة لتحول التجربة من درس إلى قيد، فالحقد في جوهره علاقة مستمرة بشيء يفترض أننا تجاوزناه، وقد يغيب الشخص الذي أساء إلينا، وقد تنتهي العلاقة، وتتغير الأماكن والظروف، لكننا نستمر في منحه مساحة داخلنا، نعيد الحديث عن موقفه، ونسترجع كلماته، ونتخيل ما كان يجب أن نقوله، ونتساءل لماذا فعل ذلك، وهكذا يصبح شخص غائب قادرًا على التأثير في حاضرنا أكثر مما ينبغي، والمفارقة أن الإنسان قد يظن أنه يحتفظ بالحقد انتصارًا على من ظلمه، بينما يكون هو الذي يدفع الثمن كل يوم. فهو لا يكتفي بحمل ذكرى ما حدث، بل يحمل معه مشاعر الغضب والشك والخوف إلى علاقاته الجديدة، وربما يجعل أشخاصًا لم يرتكبوا أي ذنب يدفعون ثمن أخطاء لم يكونوا طرفًا فيها.
وهنا يصبح التحرر من الحقد فعلًا من أفعال الوعي، لكنه لا يعني إنكار الظلم أو تبرير الإساءة أو إعادة الثقة إلى من أثبت أنه لا يستحقها. هناك فرق بين التسامح والسذاجة، وبين الصفح وإلغاء الحدود. يمكن للإنسان أن يغفر دون أن يعود، وأن يتجاوز دون أن ينسى، وأن يحمي نفسه دون أن يتحول إلى شخص قاسٍ. فالوعي الحقيقي لا يجعل الإنسان أقل حذرًا، بل يجعله أكثر اتزانًا في استخدام حذره.
غير أن أصعب ما في تجاوز الماضي ليس دائمًا الحدث نفسه، وإنما المعنى الذي منحه الإنسان لذلك الحدث، فالخيانة قد تجعله يعتقد أن الحب كله خيانة محتملة، والفشل قد يدفعه إلى الاعتقاد بأنه عاجز عن النجاح، والخذلان قد يجعله يشك في كل من يأتي بعده، وهنا تتحول التجربة من حدث وقع في الماضي إلى عدسة ننظر من خلالها إلى الحاضر والمستقبل، ولهذا فإن الماضي ينبغي أن يكون معلمًا لا سجانًا، والتجربة ينبغي أن تكون بوصلة لا مرآة نحدق فيها طوال الوقت، نأخذ منها ما يضيء طريقنا، لا ما يعيدنا إلى الوراء. فالحكمة ليست في أن نمحو ذاكرتنا أو نتظاهر بأن شيئًا لم يحدث، وإنما في أن نعرف كيف نستفيد مما حدث دون أن نسمح له بأن يحكم ما لم يحدث بعد.
ليس كل شخص جديد نسخة من شخص قديم، وليس كل باب جديد امتدادًا لباب أغلقناه بالأمس، وربما يكون هذا هو أصعب أشكال التحرر: أن نتخلى عن النسخة من أنفسنا التي صنعتها الإساءة، فقد يتعود الإنسان على دور المجروح حتى يصبح الألم جزءًا من تعريفه لذاته، ويخشى، من حيث لا يشعر، أن يتخلى عنه؛ لأن التخلي عن هذا الدور يعني أن يبدأ في بناء نفسه من جديد، بعيدًا عن القصة التي اعتاد أن يرويها عن نفسه.
لذلك لا يكفي أن يقول الإنسان: "لقد سامحت". الأعمق من ذلك أن يقول: "لن أسمح لما حدث أن يحدد من سأكون". هنا تحديدًا يستعيد الإنسان ملكية مستقبله. فهو لا يصبح حرًا عندما يتغير الماضي، وإنما عندما يتوقف عن انتظار الماضي كي يتغير. ومن هذا التحرر يولد نوع آخر من الإيجابية؛ إيجابية لا تقوم على إنكار الألم، وإنما على تجاوزه. فالإنسان الذي يتصالح مع ماضيه لا يعيش بلا ذاكرة، بل يعيش بذاكرة أكثر نضجًا. يعرف ما الذي حدث، ولماذا آلمه، وما الذي تعلمه منه، ثم يرفض أن يجعل تلك التجربة قانونًا يحكم بقية حياته. يأخذ الحكمة ويترك المرارة، يحتفظ بالدرس ويتخلى عن الانتقام، وهنا يصبح الإنسان قادرًا على صناعة الأمل فيمن حوله. ليس لأنه عاش حياة مثالية، وإنما لأنه اختار ألا ينقل ألمه إلى الآخرين. فبعض الناس يحملون خيباتهم إلى كل علاقة جديدة، فيزرعون الشك حيث لا يوجد سبب للشك، ويطفئون الأحلام قبل أن تبدأ. بينما هناك من مرّ بالقدر نفسه من الألم، لكنه خرج منه أكثر رحمة وفهمًا؛ فإذا تحدث عن المستقبل لم يعد الآخرين بحياة سهلة، وإنما منحهم إيمانًا بأن الصعوبة ليست نهاية الطريق، وهذا هو الأمل الحقيقي: ليس إنكار العاصفة، بل الإيمان بأن العاصفة ليست كل السماء.
ولذلك فإن طي صفحة الماضي لا يعني أننا لم نتألم، وإنما يعني أننا أدركنا أن ألمنا لا يستحق أن يصبح قدرًا دائمًا، وليس من الحكمة أن نقضي مستقبلًا كاملًا في معاقبة أشخاص من ماضٍ انتهى، ولا أن نجعل أشخاصًا جددًا يدفعون ثمن أخطاء أشخاص لم يعرفوهم. ما نستطيع فعله هو أن نضع الأشياء في مكانها الصحيح: ما انتهى نتركه في الماضي، وما تعلمناه نحمله معنا، وما بقي من العمر نمنحه للحياة بدل أن ننفقه في محاكمة ما لا يمكن تغييره. قد لا نستطيع اختيار كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نختار ما الذي سيحدث لنا بعد ذلك. نستطيع أن نجعل من التجربة معرفة، ومن الخسارة حكمة، ومن الجرح بابًا لفهم أعمق للحياة، وربما تكون إحدى علامات النضج الكبرى أن يأتي يوم ننظر فيه إلى ما مضى دون رغبة في الانتقام، ودون حاجة إلى الإنكار، ودون خوف من تكراره. عندها فقط نعرف أننا لم ننسَ ما حدث، لكننا لم نعد نعيش فيه.
لا تجعل من جرحك وطنًا تقيم فيه إلى الأبد. خذ منه ما يستحق أن يبقى، واترك فيه ما يجب أن يرحل، فالماضي قد يشرح لنا من أين جئنا، لكنه لا يملك الحق في أن يقرر إلى أين نذهب.. لقد كان جرحًا، نعم؛ لكنه لم يعد وطنًا.
**كاتبة سورية
