حيدر بن عبدالرضا اللواتي
لا يخفى على أحد أنَّ جميع المجتمعات في العالم تُعاني من الجريمة. فالجرائم تقع كل يوم في الكثير من الأماكن، خاصة في المجتمعات التي لا تعطي أهمية واعتبارًا للقوانين والتشريعات، ويكثر فيها الفساد والرشوة وتُبنى على الكذب والخداع والتضليل، بجانب تلك التي تتعرض للانتهاكات والحروب. فطبيعة الناس وأعمالهم ورغباتهم وسلوكهم الشخصي الخاطئ تزيد من تلك الجرائم، في الوقت الذي تلعب فيه التقنيات الحديثة دورًا كبيرًا في رفع وتيرتها.
ومع تزايد وصول الوافدين في أي مُجتمع، فإنَّ أعداد تلك الجرائم تتزايد هي الأخرى سنويًا بين الناس، وهذا ما نلاحظه في سلطنة عُمان نتيجة لانخراط بعض الوافدين في أعمال مُخلة بالآداب العامة. فأرقام الجريمة هنا تؤكد بأن المجتمع العُماني يعاني من الجريمة، نتيجة لتزايد القضايا الاقتصادية والعمالية والمالية والتي تشكل جزءًا كبيرًا من العبء، بينما تتزايد جرائم الاحتيال الإلكتروني والمخدرات وتلك المرتبطة بالأطفال وغيرها من الجرائم الأخرى.
بعض تلك الجرائم تحتاج اليوم إلى إجراء مزيد من الدراسات لمعرفة الأسباب التي تدعو إلى حصول زيادة فعلية في السلوك الإجرامي، بجانب معرفة الوسائل الناجعة من أجل تحسين معدلات الإبلاغ والرصد والتوسع في استخدام الوسائل المتاحة للحد من الجرائم الإلكترونية في المجتمعات؛ فالأرقام الحديثة للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات تشير إلى أن إجمالي الجرائم المسجلة في سلطنة عُمان خلال العام الماضي 2025 بلغ نحو 21 ألف جريمة، بنسبة زيادة قدرها 14.8% مقارنة بجرائم عام 2024؛ حيث بلغ معدل الجرائم لكل 1000 من السكان 3.9 جريمة.
وتحتل الجرائم الواقعة على الأموال النسبة الأكبر وفق بيانات عام 2025 بحيث بلغت نسبتها 62.3% من الإجمالي، فيما جاءت الجرائم الواقعة على الأفراد في المرتبة الثانية بنسبة 28.8%، ثم الجرائم الاجتماعية الأخرى المخالفة للقوانين، فيما تأتي محافظة مسقط في المرتبة الأولى من حيث وقوع الجرائم وبنسبة بلغت 42%، تليها المحافظات الأخرى. ونتيجة لتزايد عدد السكان في عُمان سنويا، فإن عدد الجُناة يسجل هو الآخر زيادة بحيث بلغ عددهم في العام الماضي 26847 جانيًا مقابل 24341 جانيًا عام 2024 بنسبة زيادة قدرها 10%. ومعظم تلك الجرائم ارتكبها الذكور مشكلين ما نسبته 85% من الإجمالي مقابل 15% من الجرائم الواقع من قبل الإناث وفق البيانات المتاحة.
وتُظهر البيانات الرسمية التي أُعلنت في شهر فبراير من العام الحالي أن الصورة الأمنية في سلطنة عُمان ما زالت مختلفة عن كثير من الدول من حيث طبيعة الجرائم؛ فجزء كبير من القضايا المسجلة ترتبط بقانون العمل والشيكات المرتجعة، والإقامة، والمعاملات المالية، وليس بالجرائم العنيفة التقليدية. لكن هناك مؤشرات تستحق الاهتمام، خصوصًا الاحتيال والجرائم الإلكترونية والمخدرات والجرائم الواقعة على الأطفال؛ فبيانات الادعاء العام تشير إلى أن إجمالي القضايا الواردة إليهم في عام 2025 بلغ 55164 قضية، بزيادة قدرها 19% عن عام 2024. وبلغ عدد المتهمين المسجلين73,391 متهمًا، بزيادة 24.7% خلال عام واحد. كما بلغت نسبة إنجاز القضايا 98.4%، وهي نسبة مرتفعة لحل قضايا تتعلق ما بين الجنح، والجنايات، ومخالفات بالشكاوى الإدارية وغيرها. وأبرز تلك القضايا تتعلق بجرائم قانون العمل تليها الجرائم المتعلق بالنشاط المالي للشيكات المرتجعة، ثم جرائم الإقامة للأجانب المخالفين للقوانين، ثم قضايا الاحتيال وابتزاز الأموال والسرقات تليها القضايا الاجتماعية والمساس بحرية الانسان وكرامته، بالإضافة إلى جرائم تقنية المعلومات وجرائم المرور والجرائم التجارية وحماية المستهلك.
ومما لا شك فيه، أن بعض هذه القضايا تتطلب تحسين أنظمة الدفع الإلكتروني للحد من التجاوزات التي تقع في هذا القطاع، وكذلك الحد من المعاملات النقدية غير الموثقة، وتعزيز التحقق من هوية المتعاملين، بالإضافة إلى تسوية المنازعات التجارية بسرعة، ونشر الثقافة القانونية لدى أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الرقابة على الشركات الوهمية.
ومن المهم جدًا العمل على الحد من جرائم الاحتيال الإلكتروني التي سجلت ارتفاعا بنسبة 50% في النصف الأول من العام الماضي، بسبب استخدام المحتالين تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، إضافة إلى الإعلانات التجارية الوهمية ومكالمات الفيديو المزيفة، الأمر الذي يؤكد بأن الجريمة تنتقل تدريجيًا من الشارع إلى الهاتف إلى الحساب المصرفي إلى المنصة الرقمية؛ الأمر الذي يتطلب تعاون الشرطة والبنوك وشركات الاتصالات والمنصات الرقمية والمدارس والجامعات ودور العبادة، كما تتطلب جميع تلك القضايا قيام المؤسسات المعنية والمجتمع المدني بأكمله في تسليط الضوء عليها، وحذر الناس وتوعيتهم وتثقيفهم للتوقف عن الجريمة بشكل عام.
