حين يعود الطلاب إلى المدارس.. يعود المعلم إلى رسالته

 

 

 

يارا الحايك **

مع عودة الطلاب العرب إلى مدارسهم هذا الشهر في مختلف أنحاء الوطن العربي، لا يبدأ عام دراسي جديد فحسب، بل تتجدد أمامنا مسؤولية تتجاوز الكتب والمناهج والاختبارات؛ فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يرافق هذه العودة ليس فقط: ماذا سيتعلم أبناؤنا؟ بل: ماذا نريد لهم أن يصبحوا؟ فالمدرسة لا تصنع طالبًا يجيد الإجابة عن أسئلة الامتحان فحسب، وإنما تسهم في تشكيل الإنسان الذي سيخرج غدًا إلى المجتمع، بعلمه وشخصيته وقيمه وقدرته على التفكير وتحمل المسؤولية.

من هنا يصبح التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة؛ لأن المعلم لا يتعامل مع مادة دراسية وحسب، بل مع عقول وضمائر وشخصيات لا تزال في طور التكوين. قد ينسى الطالب درسًا أو معادلة، لكنه قد يحمل معه سنوات طويلة أثر معلم آمن بقدرته، أو منحه فرصة ثانية، أو احترم سؤاله، أو جعله يكتشف جانبًا من نفسه لم يكن يعرفه. ولهذا فإن قيمة المعلم لا تُقاس فقط بما أنجزه من المنهج، وإنما بما تركه من أثر في الإنسان الذي أمامه.

ولعل أول ما يحتاج إليه تعليمنا العربي أن يتحرر من الاعتقاد بأن الطالب الجيد هو بالضرورة الطالب الذي يحفظ أكثر ويحصل على أعلى علامة؛ فالعلامة مهمة، لكنها لا تختصر الذكاء، كما أن التفوق في الامتحان لا يعني بالضرورة القدرة على التفكير أو الابتكار. حين يتحول التعليم إلى سباق درجات، يصبح الخطأ شيئًا يخشاه الطالب بدل أن يتعلم منه، ويصبح السؤال مخاطرة بدل أن يكون طريقًا إلى المعرفة وهنا تفقد المدرسة جزءًا من دورها الحقيقي: إعداد عقل قادر على الفهم، لا ذاكرة قادرة على الاسترجاع فقط.

المعلم الذي يؤدي رسالته بوعي لا يكتفي بأن يرى ما هو ظاهر في الطالب، بل يحاول أن يرى ما يمكن أن يصبح عليه. وهذا يعني أن يكون الصف مساحة لاكتشاف القدرات، لا مجرد مكان لتوزيع الدرجات. فبين الطلاب من يمتلك موهبة في الأدب، أو الفن، أو العلوم، أو التقنية، أو القيادة، أو التفكير الإبداعي، وقد لا يكون صاحب أعلى العلامات. بعض المواهب تحتاج إلى عين خبيرة تلاحظها، وإلى كلمة تشجيع تمنحها الثقة، وإلى فرصة تسمح لها بالنمو. والمعلم هنا لا يكتشف الموهبة فحسب، بل يساعدها على الانتقال من استعداد خفي إلى قدرة واضحة، ومن قدرة إلى إنجاز.

وبالقدر نفسه، عليه أن ينتبه إلى الطالب الذي يتراجع تحصيليًا فالعلامة المنخفضة نتيجة، وليست تفسيرًا. وراء التعثر أسباب ينبغي فهمها قبل إصدار الحكم على صاحبه. قد تكون هناك فجوة في أساسيات التعلم، أو طريقة تدريس لا تناسبه، أو خوف من الفشل، أو ظروف أثرت في تركيزه وثقته بنفسه. والمعلم الواعي لا يختزل الطالب في مستواه الحالي، بل يبحث عن موضع الخلل والطريق إلى تجاوزه. إن إنقاذ طالب من اليأس من قدراته قد يكون من أعظم النجاحات التي يحققها المعلم، حتى لو لم تظهر نتيجته فورًا في سجل الدرجات.

وهنا تتجلى العدالة التربوية في معناها الحقيقي؛ فالإنصاف لا يعني أن نعطي الجميع الشيء نفسه، وإنما أن نتيح لكل طالب الفرصة التي يحتاج إليها ليبلغ أقصى ما يستطيع. المتفوق يحتاج إلى تحديات ترفع سقف طموحه، والمبدع يحتاج إلى مساحة للتجربة، والخجول يحتاج إلى بيئة تمنحه الثقة، والمتعثر يحتاج إلى دعم وصبر. المدرسة العادلة هي التي لا تسمح بأن يتحول اختلاف قدرات الطلاب إلى تفاوت في الفرص.

ومن أهم ما ينبغي أن تعيده المدرسة إلى مركز العملية التعليمية هو السؤال؛ فالطالب الذي يسأل ليس طالبًا يعطل الدرس، وإنما عقل يحاول أن يفهم. وإذا كانت المدرسة تعلّمه الإجابة دون أن تعلّمه كيف يسأل، فإنها تمنحه جزءًا من المعرفة وتحجبه عن جوهرها. لذلك ينبغي أن يشعر الطالب بأن من حقه أن يسأل، وأن يناقش، وأن يختلف بأدب، وأن يقول: «لا أعرف»، وأن يبحث حتى يصل. فالعالم الذي ينتظر أبناءنا لا يحتاج فقط إلى من يحفظ ما أنتجه الآخرون، بل إلى من يستطيع أن يصنع فكرة جديدة ويواجه مشكلة لم يواجهها أحد من قبل.

ولا يعني ذلك التخلي عن الانضباط أو عن دور المعلم في التوجيه، بل يعني أن يصبح الانضباط وسيلة لبناء المسؤولية، لا أداة لإخماد الفضول. فالحرية في التعليم ليست فوضى، والسؤال ليس انتقاصًا من هيبة المعلم، والاختلاف ليس إساءة إليه. والمعلم الواثق من علمه لا يخشى السؤال الصعب، بل يحوله إلى فرصة مشتركة للبحث. وفي الصف الذي يُسمح فيه للعقل أن يسأل، يتعلم الطالب شيئًا أهم من الإجابة: يتعلم كيف يفكر.

وفي خضم هذا الانفتاح المعرفي، تظل المدرسة العربية مسؤولة عن بناء شخصية متوازنة لا تنفصل عن هويتها وقيمها. فالعلم من دون أخلاق يمكن أن يتحول إلى قوة بلا بوصلة، والمهارة من دون مسؤولية قد تصبح وسيلة للإضرار بالآخرين. لذلك ينبغي أن يتعلم الطالب الصدق والأمانة والعدل والرحمة واحترام الوالدين والآخرين، وتحمل المسؤولية، وإتقان العمل، وحفظ الكرامة، والتعاون، والوفاء. وهي قيم أقرها الدين ورسختها الأخلاق العربية الأصيلة، ولا تتعارض مع الانفتاح على العالم، بل تمنحه أساسًا أخلاقيًا يحفظ للإنسان توازنه وهويته.

لكن القيم لا تُغرس بالمواعظ وحدها؛ إنها تُكتسب من النماذج التي يراها الطالب أمامه كل يوم. وهنا يأتي المعلم القدوة؛ فالطالب لا يتعلم من المعلم ما يقوله له فقط، بل يتعلم منه ما يراه يفعله. فإذا تحدث عن احترام الإنسان ثم أهان طالبًا، كان سلوكه أبلغ من كلامه. وإذا دعا إلى العدل ومارس المحاباة، فقد قدم درسًا يناقض ما يقوله. أما حين يرى الطالب أمامه معلمًا يحترم الجميع، ويعترف بخطئه، وينصف الضعيف، ويكافئ المجتهد، ويعامل طلابه بكرامة، فإنه يتعلم القيم من الحياة قبل أن يتعلمها من الكتاب.

ولهذا فإن إصلاح التعليم لا يبدأ من تغيير المناهج وحدها، وإن كان تطويرها ضروريًا، ولا من إدخال التكنولوجيا إلى الصفوف، وإن كانت التكنولوجيا أداة مهمة. يبدأ قبل ذلك من إعادة الاعتبار إلى الإنسان الذي يقف أمام السبورة. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يوفر للمعلومة سرعة واتساعًا غير مسبوقين، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المعلم في قراءة نظرة طالب فقد ثقته بنفسه، أو اكتشاف موهبة لم تجد طريقها بعد، أو اختيار اللحظة المناسبة لكلمة تشجيع قد تغير مسار حياة كاملة.

أما الطالب، فعليه أن يدرك أن المدرسة ليست سنوات ينبغي اجتيازها، بل مرحلة لبناء ذاته واكتشاف مستقبله. لا تجعل العلامة وحدها مقياسًا لقيمتك، ولا تجعل تعثرًا عابرًا حكمًا على قدراتك. تعلّم لأنك تريد أن تفهم، لا لأن الامتحان يقترب. اقرأ خارج المقرر، جرّب، ناقش، وابحث عن المجال الذي تستطيع أن تضيف إليه شيئًا. فالتعلّم الحقيقي يبدأ حين يشعر الطالب أن المعرفة ليست عبئًا مفروضًا عليه، بل نافذة يطل منها على إمكانات أوسع في نفسه والعالم من حوله.

والمسؤولية هنا لا تقع على المعلم والطالب وحدهما. فالأسرة والمدرسة والمجتمع شركاء في صناعة البيئة التي ينمو فيها الإنسان. حين نكافئ العلامة وننسى السلوك، أو نحتفي بالتفوق ونغفل عن الإبداع، أو نعاقب الخطأ بدل أن نحوله إلى فرصة للتعلم، فإننا نرسل إلى الطالب رسائل تربوية قد تناقض ما نقوله له عن الثقة والاستقلالية. والتربية منظومة متكاملة، وأي خلل في أحد أطرافها يترك أثره في الشخصية التي نحاول بناءها.

إن المعلم، في نهاية المطاف، لا يصنع طالبًا فقط؛ إنه يسهم في صناعة المواطن الذي سيصبح بعد سنوات طبيبًا أو مهندسًا أو كاتبًا أو باحثًا أو مسؤولًا أو أبًا وأمًا. وما يزرعه المعلم في عقل الطالب ووجدانه قد ينتقل بعد سنوات إلى أسرة ومؤسسة ومجتمع كامل. ولذلك فإن صلاح المجتمع يبدأ من الإنسان، وصناعة الإنسان تبدأ من التربية، والتربية تحتاج إلى معلم يدرك أن ما بين يديه ليس مجموعة من المقاعد والكتب، بل مستقبل مجتمع بأكمله.

ومع بداية هذا العام الدراسي، لعلنا نعيد تعريف النجاح التعليمي. فالنجاح ليس أن نخرج طالبًا يعرف أكثر فحسب، بل أن نخرج إنسانًا يفكر بعمق، ويسأل بشجاعة، ويبدع بوعي، ويعمل بإتقان، ويحترم الآخرين، ويعرف حقوقه وواجباته، ويتمسك بقيمه وهو ينفتح على العالم.

فإذا كان الامتحان يقيس ما استطاع الطالب أن يتذكّره، فإن الحياة ستختبر ما استطاع أن يفهمه ويصنعه ويكونه. ومن هنا لا ينبغي أن يكون طموح المدرسة أن تخرج جيلًا يعرف الإجابات فحسب، بل جيلًا يستطيع أن يطرح الأسئلة التي لم نطرحها بعد.

فالمدرسة التي تنجح في رفع درجات طالب قد تصنع متفوقًا، أما المدرسة التي تنجح في بناء إنسان واعٍ، فإنها تضع لبنة في بناء مجتمع كامل. وهنا تحديدًا تتحول مهنة التعليم إلى رسالة، ويتحول المعلم من ناقل للمعرفة إلى صانع للإنسان؛ وحين يصنع التعليم الإنسان، يبدأ المجتمع في صناعة مستقبله.

** كاتبة سورية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z