هل السلام الذي يُفرض بالابتزاز.. يُسمى سلامًا؟

 

 

 

د. جمالات عبدالرحيم

منذ أكثر من 50 عامًا، والولايات المتحدة الأمريكية لا تجلس على طاولة واحدة في الشرق الأوسط إلا ويكون الطرف الثالث فيها هو "إسرائيل".

لم تعد العلاقة مع إسرائيل خيارًا سياسيًا تملكه الدول، بل تحولت إلى "شرط" و"اختبار ولاء" تقيس به واشنطن مدى توافق أي دولة مع النظام الجديد الذي تريد فرضه في المنطقة؛ فالسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل السلام الذي يُفرض بالابتزاز، ويُشترى بالتجويع، ويُوقع تحت التهديد.. يُسمى سلامًا؟

أولًا: أدوات الابتزاز السياسي الأمريكي

النموذج يتكرر مع كل إدارة أمريكية، سواء كانت إدارة بايدن أو ترامب أو غيرهما. والآليات ثلاثة:

1. ربط المصالح بالتطبيع؛ حيث إنَّ أي دولة تريد طائرات F-35، أو رفعًا من قوائم الإرهاب، أو قروضًا من صندوق النقد، أو استثمارات أمريكية، تجد الجواب واحدا: "أولًا.. يجب أن تُنهي عزلة إسرائيل".

اتفاقيات إبراهام 2020 كانت النموذج الأوضح. تم تسويقها للشعوب على أنها "سلام" و"ازدهار"، لكنها في جوهرها كانت صفقة تبادل: تطبيع مقابل مصالح. عملة مزورة اسمها السلام.

2. العقوبات والحصار كأداة عقاب. من يجرؤ ويقول "لا" يدفع الثمن فورًا. الثمن ليس سياسيًا فقط، بل إنسانيًا: منع صفقات السلاح وتجميدها، واستخدام الفيتو الأمريكي في صندوق النقد والبنك الدولي لإسقاط أي قرض، وفرض عقوبات اقتصادية خانقة تحت عناوين "دعم الإرهاب" أو "زعزعة استقرار المنطقة". هنا تتحول السياسة إلى ما يشبه "البلطجة الدولية". لأن الضحية ليست القصر الرئاسي، الضحية هي المواطن الذي يُحرم من الدواء والغذاء والبنزين.

3. اللوبي الذي يصنع القرار. وفي قلب الكونجرس الأمريكي توجد لوبيات قوية جدًا على رأسها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "ايباك AIPAC". هذه اللوبيات تمرر قوانين تُلزم أي رئيس أمريكي بأن يشترط "عدم التمييز ضد إسرائيل" في أي اتفاقية أو مساعدة. فحتى القرار السيادي الأمريكي أصبح مقيدًا.

ثانيًا: لماذا إسرائيل هي "الحليف الأقوى"؟

من المنظور الأمريكي الاستراتيجي، إسرائيل هي القاعدة العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية الأكثر ثباتًا وولاءً في الشرق الأوسط؛ هي مختبر السلاح، وعين الرادار، وخط الدفاع الأول.

لذلك لم نستغرب عندما اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ"هضبة الجولان السورية" كأرض إسرائيلية، وفي نفس الأسبوع كان يتحدث عن "صفقة القرن" و"سلام المنطقة". وفي نفس الوقت تُشن أو تُدعم هجمات على إيران، وعلى غزة، وعلى اليمن، وعلى لبنان، وعلى سوريا.

من البديهي أن أي مفاوضات أمريكية في الإقليم لابد أن يمر ممرها الإجباري عبر تل أبيب.

ثالثًا: ازدواجية المعايير وسؤال المقاومة

هنا نصل إلى لب المشكلة؛ فالأنظمة التي وافقت على التطبيع وفتحت سفارات، لا توصف بالإرهاب ولا تواجه فيتو ولا عقوبات. أما فصائل المقاومة في غزة ولبنان واليمن، والتي ترفض الاحتلال، فتُوصم فورًا بـ"الإرهاب". والنتيجة واحدة في الحالتين: الشعوب هي من تدفع الثمن؛ سواء قبلت حكوماتها الأوامر الأمريكية الإسرائيلية، أو رفضتها. لأن الحصار والعقوبات لا تنزل على مكاتب الوزراء، بل تنزل على بيوت الناس.

وأخيرًا.. إنَّ اللعبة لم تعد تحتاج إلى تحليل معقد. أصبحت مكشوفة؛ فأمريكا لا تبيعك سلاحًا ولا استثمارًا ولا أمنًا، هي تبيعك "عضوية" في نادي تتصدره إسرائيل. ومن يرفض دفع ثمن العضوية، يتم حصاره وتجويعه وعزله حتى يركع. ومنذ 50 سنة لم يتغير المنهج الأمريكي تجاه إسرائيل. تغيرت فقط الأسماء والوجوه والإدارات.

وفي النهاية نعود للسؤال الأول: هل السلام الذي يُفرض بالابتزاز، ويُرسم بدماء الأبرياء، ويُوقع تحت سيف العقوبات... هل يمكن أن نسميه سلامًا؟ أم أنه استسلام باسم جديد، هدنة مؤقتة حتى الجولة القادمة؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z