(جُرثومَة التّشاؤم وصناعَة القُدرات المَحبوسَة)
حمد الناصري
إنّ من أبسط الوسائل التي تُمكّننا لنكون أكثر إيجابية، وتُعيننا على التخلي عن ملاحقة الأوهام، وتجعلنا إيجابيين في الحياة هي معرفة الذات، إذ يجب أن ننظر إلى الفشل كفرصة أتاحتها الحياة لكي نأخذ من الخِبْرة وتجسيدها إلى فِعْل إيجابي تعزيزاً للنجاح.
وهنا تبرز الفرضية الأساسية لأطروحتنا: إنّ الفشل ليس عدماً، وليس فراغاً مُطلقاً ينتهي عنده الوجود، بل هو طاقة حقيقية هائلة، وقدرة مَحبوسة ومُعطلة في دواخلنا.
وهذا المفهوم يُطابق تماماً ما أسسه الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر "فرنسا عام 1943م"، عبر أطروحته الفلسفية الشهيرة "الوجود والعدم" (L'Être et le Néant)، والتي نقلها إلى المكتبة العربية الفيلسوف والمترجم المصري الدكتور عبد الرحمن بدوي، حيث فكّك طبيعة السُلوك الإنساني وقرر قوله: "الفشل ليس غياباً للطاقة، بل هو طاقة هائلة ترفض التحرك في الاتجاه الصحيح".
إذنْ، الطاقة موجودة وثابتة، وتعطيلها ما هو إلا انحراف مؤقت عن المسار الصحيح. ويُمكن أن تبدأ برحلة في الحياة فلا تيأس، فعثرةٌ منك تجد بها مسار حياة أكثر نضوجاً حين تصطدم بمؤثر واحد وموقف، ولو كان واقعه مريرًا؛ فذاك الموقف يجعلك تُفكّر ملياً كيف لك أن تلتمس النجاح، وأن تُسَخّر معنوياتك ومواهبك وإمكانياتك وقدراتك فتكون حليفاً جميلاً للنجاح ولست ضِداً له. فتميّز قُدراتك يعني جسراً للنجاح، أو بمثابة نقلة موجبة إلى النجاح الذي تنشده.
ولنا في تاريخ العباقرة دليل صارخ يُجسد هذا التحَوّل؛ فالمخترع الأمريكي توماس إديسون، عاد في طفولته (عام 1854م في ولاية أوهايو بـالولايات المتحدة الأمريكية) من مدرسته يحمل ورقة مُغلقة من المُعلم لأمه، وكان المُعلم قد كتب فيها بجرأة: "ابنك غبي وفاقد للأهلية التفكيرية، لأنه يسرح بفكره خارج إطار الصف، ونحن لن نسمح له بدخول المدرسة مجدداً". لكن الأم النبيهة الحكيمة قرأت الرسالة باكية أمام طِفلها، وقلّبَت محتواها تماماً لتصنع له "رسالة إيجابية دافعة"، فقالت له: "المدرسة تقول إنك عبقري، وإنّ المكان هناك صغير جداً على قُدراتك، ولا يملكون مُعلمين أكفاء لتدريبك، ولذلك طلبوا أن أعَلّمك بنفسي في المنزل!".
لقد آمنت الأم بأنّ عقل طفلها ليس عدماً، بل طاقة محبوسة خارج الإطار التقليدي، فكانت النتيجة أنه تحوّل إلى أعظم مُخترع في عصره، ولم ييأس حتى وهو يخوض تجاربه المُعقدة في مختبره بـنيوجيرسي عام 1879م، مُعلناً مقولته الشهيرة: "أنا لم أفشل، بل وجدتُ عشرة آلاف طريقة لا تعمل!".
فتحفيز النفس للنفس هو تحفيزٌ تُثبته أنتَ حين تمنحها مساحة أكبر لتمييز القُدرات المتاحة؛ فمثلاً توظيف العطاء يقود إلى التفاؤل، وتوظيف التخاذل يقود إلى الكسل، فالذي هو أحق في تمييز النفس، هو ما كنت تُمَنّي نفسك به نجاحاً باهراً، وهو الأمر الذي يدعوك إلى التفاؤل! فكلما أحسنت تفاؤلك وجدت في الفشل أكثر إيجابية، فتتعَلّم منه ما يقودك إلى نجاحات أخرى؛ لأنك ستكون مُفعماً بنشاط قد جرّبته قبلئذ.
وكثيرٌ مِنّا من ينظر إلى فشل الآخرين أنه لاحقٌ به، وهذا من الخطأ المُفْضي إلى التقاعس؛ فسوء الإهمال يُنذر بخطأ مُحْدق. فكلما دقّقت النّظر في نجاحات الآخرين كلما كان نشاطك أقوى، يتوسّع إلى أكثر من نجاح! فالذي لديه فشلٌ، ونظرنا إليه بأنه فشلٌ لا يُمكننا تبديله، يتحوّل في دواخلنا إلى تشاؤم، فنحمل جرثومة التشاؤم في أفكارنا ونُثقل بها أجسادنا، ونطمر به عقولنا، فلا نلتمس أدوات النجاح لأننا أغرقنا عقولنا وطمسنا أبصارنا بترّهات من التشاؤم، الذي يُبرّر أدوات الفشل، وربما يثقل علينا فيكون تصوّرنا له ذريعاً!
وفي هذا السياق، يحذر عالم النفس التحليلي السويسري كارل يونغ في سويسرا عام 1921م، عبر دراسته الأكاديمية "الأنماط النفسية" (Psychological Types)، والتي نقلها إلى اللغة العربية الباحث والمترجم السوري نهاد خياطة، كاشفاً... من طَمْر العقول بالترهات قائلاً: "الرجل الذي يطمسه الخوف من الفشل، يُغذي عقله الباطن بطاقة سالبة تشلّ أطرافه وتجعله سجيناً لأوهامه". فمثلاً العُيوب والمثالبْ هي بمثابة ذرّات من تُرهات التشاؤم لا تقود إلى فشلٍ يَجعلنا في تخوّف، فلا نملك إصراراً ولا عزماً. وإن تخفّفنا إلى قدرنا المُستوحى من دوافع إيماننا بأن المُقدّر آتٍ لا محالة، فهذه استرخاءات لا تقنع عاقلاً، ولا تدفع نشيطاً، ولا تُغوي ذي عزم! بل تطمسه وتجعله في مغرم دائم، فيبقى حبيساً قعيداً عاجزاً!
فمثلاً رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أمرنا إذا دَهَمنا أمرٌ مُشين أن نلجأ إلى الصلاة وأن نفرّ بعزم إليه لا بخذلان. ومن هنا نفهم بأن الفشل من واقع قُعودنا وأنّ اتكالاتنا المغرمية لا تدفعنا إلى ثمرة النجاح؛ فمن أراد النجاح، أن يهبّ عازماً بتجليات يفرغها بإيمان يُحسن فيه عمله إتقاناً وإخلاصاً.
فهل رأيتم إخلاصاً في فشل، أو إتقاناً في تشاؤم، أو رأيتم عزماً وتواكلاً يجتمعانِ معاً؟ بل سوف يؤدّي التواكل إلى كسل!
إنّ تصحيح المسار هو مفتاح النجاح، فالعمل على الإخلاص في نتيجة أي عمل يكون دافعاً إلى نجاح مستمر؛ فاثْبت نجاحك واثْبت قدرتك تحظى باستمرارك، وكل مسار صحيح هو طريق إلى نجاح مُستمر! فأفكارنا المُحبطة أكثرها تقودنا إلى القلق فيتحوّل إلى صراعات داخلية، شرّانية على الأغلب، ومشاعر وإحباطات مدوية سلبية التنفس، واضطرابات تتسبب في اختلالات عضلة القلب، واختلاجات تضعف الجهاز العصبي بصورة بالغة، وتؤثر على الجهاز الهضمي، وقد يرتفع الاحتباس ويزيد الإحباط النفسي.
وقد أثبت الطب الروحي والجسدي هذا التفنيد العضوي في العصر الحديث؛ حيث يذكر الطبيب والمفكر الهندي-الأمريكي الدكتور ديباك شوبرا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1989م، عبر كتابه الشهير والمُلهم "الصحة المثالية" (Perfect Health)، والذي نقل روائع فكره وتأملاته الطبية إلى اللسان العربي المترجم السوري البارز أيمن أبو ترابي، في رصده لأثر الأفكار قوله: "خلايا الجسد تستمع طوال الوقت إلى حوارنا الداخلي؛ فالأفكار المُحبطة تفرز سموماً كيميائية ترفع حموضة الدم والمعدة، بينما الأمل يبني سُوراً مناعياً يحمي الأعصاب".
ونقول: نعم.. لأنّ أفكارنا الإيجابية، قليلها وكثيرها، تقودنا إلى أعمال خيرية وانبساط نشعر به، وينعكس ذلك على مُعاملاتنا الإنسانية؛ وتؤثر الإيجابيات على حالات جسدنا، وتجعل من نفسياتنا تُؤثر بأطيابها إلى ذروة ترتفع انسجاماً مع الرسالة الداخلية لأعصابنا، من خلال سلوكيات إيجابية، فيظهر لنا التفاؤل بيّن وبائن بطمأنينة الصحة، وينعكس على النفسية، وتُطعّم الصحة قدراً كبيراً من الأمل الزائد، فتطرد الخوف ويبتعد القلق، ويتحوّل الجسد والنفس من مخاوف سلبية إلى اطمئنان إيجابي.
خُلاصة القول: إذا لم نساعد أنفسنا للتخلّص من عوامل الفشل السلبية وندفعها إلى إيجابيات أي تحويلها إلى طاقة قادرة ونُثبت قُدراتنا وطاقاتنا المُعطّلة الكامنة في داخلنا ونشحذ هِمّتها بعملٍ أكثر شعوراً، مُفعم بالآمل ومُكلّل بالتفاؤل، فسوف نُلقى عوامل غير قادرة، نُعطّل بها طاقاتنا الداخلية وتضعنا في مسارات مُهملة، قد تتحوّل إلى تعطيل طاقتنا الايجابية وتقودنا إلى فشل لا طاقة فيه وإلى احباطات نفسية بطيئة؛ لذلك علينا التركيز لزرع رسائل إيجابية مؤدّاها نجاح يدفعنا إلى مزيد من العمل المُنتج القائم على صُنع النجاح، دون النّظر إلى وسائل مُهملة تنزلق إلى الإحباط ثم إلى فشل ذريع ونُعطّل بها طاقاتنا الإيجابية.
* هذه السلسلة الفكرية تندرج ضِمن أطروحة الكاتب: "لِلْفَشل طاقَة مُعَطّلة".
