أنيسة الهوتي
رأيتُ في بيئة العمل أشخاصاً لا يتعاملون مع المكان بوصفه مكتبًا ينتهي عند نهاية الدوام؛ بل تتسلل المؤسسة إلى وجدانهم، فيصبح نجاحها شأنًا شخصيًا، ومشكلاتها همًا يحملونه معهم إلى بيوتهم.
أعرف موظفًا كان يرى توقف أي معاملة أمرًا لا يحتمل التأجيل. فيدفع من ماله الخاص لشراء برامج وباقات تمنح الشركة خصومات كبيرة، بل ويُسدد المبالغ المتوقفة حتى تتحرك العمليات الشرائية ولا تتعطل، ليس بحثًا عن منفعة شخصية، وإنما حتى لا تبدو المؤسسة أمام شركائها عاجزة أو محرجة. كان يحاول أن يحمي صورة أصحاب المؤسسة كما يحمي الإنسان صورته أمام الآخرين. ويخبر الشركاء أن يعيدوا المبالغ بعد استلامهم مستحقاتهم من الشركة. وكان يملك ما يثبت ذلك.
لكن ما وصل إلى المسؤولين لم يكن القصة كاملة. وصلت أجزاء منفصلة عن أسبابها وسياقها، وأُخذت منها أدلة لم تكن تعنيها في الأصل. والأقسى أن الموظف لم يُسأل. بل أتى قرار بالاستغناء عنه!
وهنا يصبح السؤال أكبر من واقعة مالية: كيف يصدر الإنسان حكمًا على شخص دون أن يمنحه فرصة ليقول: هذه ليست القصة كلها؟
قال تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]
التبيُّن ليس مجرد التأكد من حدوث الواقعة، بل فهم معناها وسياقها قبل بناء الحكم عليها.
وفي الجهة الأخرى، هناك موظف أحب المكان وأهله حبًا جعل الحدود بين العمل وحياته تتلاشى. أعطاهم من حضوره ووقته واهتمامه ما لم يكن مكتوبًا في عقد، وبقي قريبًا من تفاصيل العمل حتى أصبحت حاجاته جزءًا طبيعيًا من يومه.
ثم جاء يوم أصبح فيه كل ذلك قابلًا للاختصار في قرار إداري.
لم يكن أكثر ما يؤلمه نهاية الوظيفة، بقدر ما آلمه أن كل ذلك الحب لم يجد مكانًا في لحظة الرحيل. لم يجد التقدير الذي يوازي ما أعطاه، ولا كلمة تشعره أن أحدًا تذكر أنه كان يومًا جزءًا حقيقيًا من هذا المكان.
وهنا ينبغي لأصحاب العمل أن يتذكروا شيئًا بسيطًا وعميقًا: الموظف قد يكون موظفًا في الأوراق، لكنه حين يعطي من قلبه، يصبح من حق عطائه أن يُقابل بإنسانية.
لا يعني ذلك أن المؤسسة لا تملك حق اتخاذ قراراتها، ولا أن كل موظف لا يمكن الاستغناء عنه. لكن حتى القرار الصعب يمكن أن يُتخذ بإنصاف، وحتى الرحيل يمكن أن يحفظ للإنسان كرامته.
وفي المقابل، على الموظف أن يتعلم درسًا لا يقل أهمية: أحب عملك، لكن لا تُسلِّمه حياتك.
لا تجعل المؤسسة عائلتك البديلة، ولا تجعل أصحابها أقرب إليك من أهلك، ولا تؤجل حياتك حتى يصبح لديك وقت لها؛ فالعلاقة المهنية، مهما بدت دافئة، تبقى علاقة مهنية. قد تكون صادقة وجميلة، لكنها ليست وعدًا أبديًا.
أعطِ عملك إخلاصك، لكن احتفظ لنفسك بقلبك ووقتك وعائلتك وحياتك؛ فربما لا يكون الألم الأكبر في فقدان الوظيفة، وإنما في اكتشاف متأخر أنك أعطيت المكان أكثر مما كان المكان مستعدًا لأن يعطيك.
قد تتغير الإدارة، وتتبدل الظروف، ويأتي من يرى الأرقام قبل الوجوه. لذلك لا ينبغي أن يبني أحد كرامته على بقائه في وظيفة، ولا أن يقيس قيمة سنواته بقرار واحد. ما يقدمه الإنسان يظل جزءًا من سيرته، حتى حين لا يجد من يقدره. والعدل يحفظ للعلاقات معناها حين تنتهي.
لذلك، قبل أن تحكموا، اسمعوا. وقبل أن تصدقوا، تبيّنوا. وقبل أن تستغنوا عن إنسان، تذكروا أن خلف الملف حياة لا تعرفون تفاصيلها.
وقبل أن تمنحوا مؤسسة عمركم، تذكروا أن الوفاء جميل، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب أنفسكم؛ فالعمل جزء من الحياة، وليس بديلًا عنها.
وبهذه التجارب، سيكون هناك الكثيرين ممن لا يكونون صادقين ومثمرين في عملهم، ولكنهم سيكونون الافضل عند أصحاب العمل؛ لأن الإنسان المتمكن والمجتهد وصاحب المعرفة يخيف الآخرين فيحاولون الايقاع به حتمًا.
