أنيسة الهوتية
قلّما ارتبط اسم جائزة في العالم بفكرة خدمة البشرية كما ارتبط اسم «نوبل»؛ فالقصة بدأت مع ألفريد نوبل، الصناعي والمخترع السويدي، الذي توفي عام 1896 وترك في وصيته مُعظم ثروته لإنشاء جوائز تُمنح لمن قدموا «أعظم منفعة للبشرية».
وبناءً على وصيته، مُنحت جوائز نوبل للمرة الأولى عام 1901 في خمسة مجالات: الفيزياء، والكيمياء، والطب، والأدب، والسلام. ثم أُضيفت لاحقاً جائزة العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفريد نوبل، التي أُنشئت عام 1968 ومنحت للمرة الأولى عام 1969، وهي ليست من الجوائز الخمس الواردة في وصية نوبل الأصلية. وتُمنح الجوائز في العاشر من ديسمبر من كل عام، ذكرى وفاة ألفريد نوبل؛ ففي ستوكهولم تُمنح جوائز الفيزياء والكيمياء والطب والأدب والاقتصاد، بينما تُمنح جائزة السلام في أوسلو. ومع مرور أكثر من قرن، أصبحت نوبل مؤسسة عالمية تشجع البحث العلمي، والأدب، والسلام، وتدفع الأجيال الجديدة إلى التفكير والاكتشاف والعمل من أجل مستقبل أفضل.
لكن فكرة نوبل لم تتوقف عند الجوائز التي نصت عليها وصية صاحبها؛ فمع تطور العالم، ظهرت جوائز دولية أخرى تحمل الفكرة ذاتها من زاوية مختلفة: تشجيع الإنسان على أن يتعلم ويبتكر ويخدم مجتمعه، وتقدير الأشخاص الذين يحولون المعرفة أو الموهبة أو العمل إلى منفعة عامة. وهكذا أصبح في العالم عدد من الجوائز التي، وإن اختلفت في تخصصاتها ومؤسساتها، تلتقي مع نوبل في جوهر واحد: تكريم الإنجاز الذي يترك أثراً يتجاوز صاحبه.
وفي هذا السياق تأتي جائزة Fervent Global Love of Lives Award، التي بدأت عام 1998 ووصلت في عام 2026 إلى دورتها التاسعة والعشرين. وخلال هذه السنوات، كرمت الجائزة 487 شخصية من 86 دولة عبر القارات السبع.
وما يميز هذه الجائزة هو اتساع مفهومها للإنجاز؛ فهي لا تقف عند تخصص علمي أو أدبي محدد، وإنما تكرم أشخاصاً ارتبطت أعمالهم بالتعليم، والأطفال، والصحة، والإعاقة، والثقافة، والموسيقى، والعمل الاجتماعي والإنساني، وغيرها من المجالات التي يكون فيها الإنسان هو المستفيد الأول. وبنفس قاعدة نوبل لا يستطيع أي شخص أن يرشح نفسه، بل ترشحه مؤسسة معينة ثم تزكيه مؤسسات أخرى بعد البحث عن أثره.
ومن هنا جاء الاسم الذي عُرفت به في الإعلام الدولي: «نوبل للحياة» أو “Nobel Prize for Life”؛ فبحسب الجهة المنظمة، حظيت الجائزة بتغطية من وسائل إعلام دولية من بينها CNN وBBC وNHK وغيرها، ووصفتها بعض هذه التغطيات بهذا الاسم.
والمقصود ليس أنها إحدى جوائز نوبل الرسمية، وإنما أن الاسم يختصر طبيعة الجائزة: جائزة تنظر إلى الإنسان بوصفه قيمة، وإلى من يخدم الإنسان بوصفه صاحب إنجاز يستحق التكريم دون أن يسعى له. علاوة على أن مسمى "نوبل" باللغة الإنجليزية عندما نكتبه بتغيير طفيف في الحرف المتحرك "e" لتصير "noble" فهي هُنا تعني النبيل، أو المُنتمي إلى طبقة النبلاء، وهؤلاء أشخاص كانوا يُمنحون هذا اللقب من الملك في عدد من الدول الأوروبية قديمًا، كنوع من التكريم، على ما حققوه من إنجاز خلال مسيرتهم الحياتية والعملية.
وهنا نرى أن الجائزة التي تبدأ بفكرة صغيرة يمكن أن تتحول، مع الاستمرار واتساع المشاركة وتراكم الأسماء والتجارب، إلى مؤسسة وجائزة عالمية، وهذه الجائزة اتسعت أسرع من نوبل بحكم عمرها فهي لاتزال شابة في التاسعة والعشرين.
نوبل التي يعرفها الجميع أصبحت بعد أكثر من قرن رمزًا عالميًا. أما «نوبل للحياة»، فما زالت في عامها التاسع والعشرين، ولديها الوقت لتكتب تاريخها الخاص. ومن المزمع ربطها مع نوبل في عامها الثلاثين إذا أبرمت الاتفاقيات مع مؤسسة نوبل العالمية.
وربما، بعد سنوات، لا يعود السؤال عن عمرها أو عن قيمة جائزتها المالية، وإنما عن مقدار ما استطاعت أن تتركه في العالم من أثر؛ فقد تصل أي جائزة، إذا حافظت على رسالتها واستمرت في تكريم الإنسان، إلى مكانة لم تكن متوقعة عند بدايتها؛ لأن الزمن يغيّر حجم المؤسسات التي تؤمن برسالتها.
لقد بدأت نوبل بفكرة واحدة: أعظم منفعة للبشرية. وبعد أكثر من قرن، ما زالت الفكرة نفسها قادرة على أن تُلهم جوائز جديدة؛ جوائز لا تسأل الإنسان فقط عمّا اكتشفه أو أنجزه، وإنما عمّا أعطاه للآخرين. وهنا يصبح الإنسان نفسه هو الإنجاز.
أما الطريف في موضوع تكريمي بجائزة "نوبل للحياة" بمسماها الإعلامي، ثم حصولي على وسام المحبة العالمي في اليوم الذي يلي استلامي للجائزة، هو أن البعض استكثروا الجائزة، وتعمَّدوا التقليل منها بل والتشكيك فيها، وفي وجودها من الأساس!! والبعض الآخر قرر من تلقاء نفسه إلغاء الجائزة وذكر الوسام فقط! وقد تواصل معي كثيرون استنكفوا قراءة مضمون الخبر في جريدة الرؤية، والذي نشرته بكل احترافية ودقة، ولم تتجاوز معرفتهم عنوان رابط الخبر المُتداول، ليُطلقوا سهام التشكيك في مصداقية الخبر، ويُقللون من شأن الجائزة؛ زعمًا بأنَّها ليست «نوبل السويدية وأخواتها»، بالرغم من طابعها العالمي والإنساني البحث، وآليات الترشيح والاختيار التي تتبعها اللجنة المعنية بها. وكأنها لا قيمة لها رغم عالميتها وإنسانيتها.
المزعج ليس عدم تقدير الفائز لما قدمه لمجتمعه والنَاس، وإنما استصغار مؤسسة تسعى لتكريم الإنسان في زمن كادت أن تختفي فيه الإنسانية!! وكأنهم يقولون إن جائزة "جولدن جلوب" بلا قيمة لأنها ليست أوسكار! أو أن جوائز "الإيمي" الشهيرة أقل شأنًا لمجرد أنها ليست جائزة سينمائية وإنما جوائز غنائية.
عجيبٌ أمر من تُلقي بهم الحياة في طريقنا من الحانقين وأصحاب القلوب الحاقدة.. إنهم يستكثرون السعادة على غيرهم!
