حس الجماد 14

 

عندما يكسبنا الجماد أُلْفة المكان
الكاتب: حمد الناصري

في واقع الحياة وتفاصيلها المعاشة التي أرصُدها وتتشكل منها تجربتي الأدبية، كان يتملكني دائماً يقين بأنّ الجمادات ليست كيانات صامتة أو ميتة، بل هي كائنات مُمتدة تشعر وتتناغم مع الإنسان إذا ما تلاقت الأرواح الحسية. واليوم، يتجلّى هذا المفهوم في أبهى صُوره عبر تجربة حديثة وفريدة؛ حيث لم يعد الجماد مُجرد جدار، أو مَقعد، أو آلة صمّاء جامدة، بل أداة تُولد من رَحِمها تناغمٌ حِسيّ، نُعرّفه بـ "أُلفة المكان".  

ولكي يتبيّن للقارئ ملمحُ "حسّ الجماد الواقعي المعيش"، فإننا نُؤصّل لهذه الواقعية الحِسية في تناغمها مع الآدمي؛ فالتناغم الحِسي واقعٌ نعيشه ونتعايش معه، وتناغمٌ مُعايش نرسخهما هنا لأنهما سِرّ الألفة وسِرّ المكان المُحيط بنا. ولا يعني هذا أننا نُغرق في الغيبيات، أو نذهب إلى ما وراء الطبيعة "الميتافيزيقا"، بل نرصُد أثرًا نلمسهُ فعلياً مع تفاصيل أدواتنا ومُحيطنا في الحياة اليومية المعاشة. وما نجدهُ من ألفةٍ محيطة بنا وما نحسهُ مِن تناغم مع كينونة الجماد، لا يعني أبداً أنّ به شعوراً كشعور وأحاسيس آدمية كوجدان الإنسان، أو مِمّا قد نجده في بعض الحيوانات؛ لكنه في الوقت ذاته لا يخلو ولا يَعدم من شُعور حِسي يتناغم مع اللحظة بألفةٍ شديدة التقارب أو شديدة التعاطف الحسي. فالجماد كيان يملك تردداً حِسّياً خفيّاً لا يلتقطه إلا الإنسان الذي يملك قلباً حيّاً يفيض بالألفة، وهذا لا يختلف مع كل الكائنات الوجودية.

وهذا الأثر الحِسي المعاش تلتقي عنده إشارات فكرية ممتدة؛ حيث تظهر في عوالم الفِكْر جذور فلسفة "البانسايكيزم"- التي نقلها وترجمها للعربية الدكتور عبد الرحمن بدوي تحت مُسمى "العقلانية الكلية"- والتي ترى في جوهرها سَريان الحِس خفيةً في المادة، وأنّ الوجود مُتصل حِسّياً.

يُشير الكاتب والأكاديمي السعودي الدكتور ناصر الحجيلان في مقاله "الألفة بين الإنسان والمكان" إلى قدرة المكان المُسجل في الذاكرة على تشكيل خيال الإنسان ومزاجه النفسي والذهني. كما تبرز أهمية انتقال الناس من الأرياف والصحراء إلى المدن وتأثير العناصر العمرانية المختلفة على الشخصية في تبادل تأثير واقعي يمنح الآدمي الألفة. يمكنك متابعة المزيد من مقالات الرأي بزيارة جريدة الرياض.

وهو ما يتجلّى في زماننا هذا عبر رصْد حثيث واستدلال واقعي؛ حيث يُشير الكاتب والناقد والأكاديمي السعودي الدكتور ناصر الحجيلان، في مقاله المنشور بجريدة الرياض بعنوان "الألفة بين الإنسان والمكان" بتاريخ 12 سبتمبر 2011م ـــــ وقد وضع هذا الاستدلال ورصَد بالأمثلة قدرة المكان المُسجل في الذاكرة على تشكيل خيالنا ومزاجنا ـــــ إلى قدرة المكان في الذاكرة على تشكيل صُورة بقية الأمكنة التي نتخيّلها، ودور الخبرات السابقة في السيطرة على خيالنا بوضعه في حدود معينة يدور في خانتها، بل إنّ طبيعة المكان نفسه تلعب دورًا مهمًا في تشكيل المزاج النفسي والذهني للشخص في لحظة معينة؛ وخاصة بعد انتقال الناس من القرى والأرياف والصحراء إلى المدن، وتأثير الفلل والشوارع والأحياء والعمارات على الشخصية.
ومن هذا المُنطلق، يتلاقى الأثر الذي رصده المقال مع ما نُعرّفه ونَعنيه هنا بـ "حسّ الجماد أو سُكون المكان" وواقعيته الحِسية وتناغمها المعاش؛ فالذاكرة والمكان يتبادلان تأثيراً واقعياً يمنح الآدمي ألفة واستئناساً دافئاً يدفع عنه وحشة الانعزال.

وحين نُغربل كل هذه الشواهد والمأثورات المُمتدة عبر التاريخ، يتضح فـارق جوهري في وجهة المُقاربة؛ إذ نجد أنّ مُعظم الشواهد القديمة ـــــ دينية كانت أم ميتافيزيقية ـــــ اتجهت إمّا نحو خرق المألوف بالمُعجزة الخارقة، أو نحو تأطير ارتباط الجماد بخالقه تبارك وتعالى. ومن هنا، يبرز البحث في تفاصيل المعيش اليومي والتناغم الحِسي الذي يعيشه الآدمي في مُحيطه؛ إنها الألفة التي ينبع حِسّها ودفؤها من تفاصيل واقعنا المعيش، كحس الكاتب مع طاولته، أو البحّار مع سفينته الخشبية، حيث يغدو الجماد شريكاً معيشاً يستمد أنسَهُ من عاداتنا وتواجدنا من حوله.

والحقيقة، لم أكن لأصف كيانات الجماد والكائنات الأخرى لمجرد وصْف عابر، بل أردتُ أن أرسّخ عُمق فلسفة واقع نعيشه ونتناغم معه حِسّياً، وهو ما تتبعناهُ تفصيلاً عبر أجزاء هذه السلسلة؛ بدءاً من "حسية الجماد الواقعية المعيشية"، ومروراً بـ "وجدان الطبيعة والروابط الروحية"، ووصولاً إلى "وعي الكاتب وعِناد الآلة". ومن هذا الامتداد، قد يكون طرحي لتساؤل كهذا مشروعاً، إذا تساءلنا: كيف لآلة صامتة، أن تفهم خلجات الآدمي، وكيف لهذه الأدوات الجامدة، من صخر، وجبل، وحيتان بحرية، وأسماك الجيذر، وماكينات وآلات جامدة، أن تُحس بالآدمي وتتناغم معه حِسّياً" أي بواقعية حِسّية في ألفة المكان".

خُلاصة القول: إنّ فلسفة الواقعية الحِسّية؛ "حِس الجماد أو حِس الكائنات" تكسب الإنسان فيضاً من واقع يتناغم حسّياً، في مساحة وجدانية دافئة وفي ألفة مكانية ساكنة. وهذا التناغم يُثبت أنّ الوعي البشري قادر على استنطاق الجماد، وتحويل الصخر والكائنات الأخرى في بيئة المكان إلى فضاء حيّ ينبض بالألفة والتناغم بتفاعل واقعي مَعيش. 


*هذا المقال يندرج ضمن سلسلة "حِسّ الجماد"، وهو يجسد فلسفة الجماد الحسية الواقعية المعيشية؛ الرؤية والأطروحة الفكرية الخاصة بالكاتب.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z