صالح الغافري
في 30 يونيو 2026 واجهت السواحل العُمانية واحدة من أشد الكوارث البيئية في تاريخ المنطقة بعد جنوح ناقلة النفط العملاقة كارولين بيزينجي قبالة جزر الحلانيات في محافظة ظفار وهي محملة بما يقدر بثمانمائة ألف برميل من النفط الخام. انفجار الناقلة وتسرب حمولتها وضع بحر العرب أمام تحدٍ بيئي كبير إذ تقع الحادثة في قلب محمية بحرية تضم تنوعا بيولوجيا استثنائيا وملاذا آمنا لأنواع مهددة بالانقراض وجزءا لا يتجزأ من التراث الطبيعي للمنطقة.
البقعة النفطية التي تتوسع يوما بعد يوم تهدد بيئات حيوية للكائنات البحرية. التقديرات الرسمية أشارت إلى أن مساحتها بلغت نحو ثلاثمائة وتسعين كيلومترا مربعا، فيما أوضحت تقارير أخرى أن المساحة قد تزيد عن ذلك، وهو ما يعكس تفاوت الأرقام وصعوبة الرصد الدقيق في مثل هذه الظروف. ومع استمرار حركة البقعة، أشارت تقارير الرصد إلى احتمال وصول أطرافها إلى منطقة رأس مدركة بالدقم، لكنها لم تصل إلى محافظة الشرقية وجزيرة مصيرة.
هذا التسرب المستمر مع تدهور حالة الناقلة التي تغرق تدريجيا ينذر بأضرار على الشعاب المرجانية وأعشاب البحر والبيئات الساحلية التي تحتضن السلاحف البحرية المهددة والطيور المهاجرة والثدييات البحرية النادرة وفي مقدمتها الحوت الأحدب العربي. كما أن أشجار المانجروف التي تعد مصدرا أساسيا للنظم البيئية البحرية معرضة للتلف إذا وصلت إليها البقعة إضافة إلى الحشائش البحرية التي توفر الغذاء والمأوى لآلاف الأنواع مما يهدد السلسلة الغذائية البحرية بأكملها.
في مواجهة هذه الكارثة تحركت هيئة البيئة منذ اللحظة الأولى مستخدمة وسائل الرصد الفنية وصور الأقمار الصناعية لتتبع حركة البقع النفطية. وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات دخلت على خط المواجهة بالتعاون مع خبراء دوليين واستوردت معدات متخصصة مثل الحواجز المطاطية والمشتتات الكيميائية رغم الظروف المناخية الصعبة التي وصلت فيها سرعة الرياح إلى أربعين عقدة وارتفعت الأمواج إلى أربعة أمتار. كما ناقش قطاع الإعلام والتوعية العامة باللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة سبل تعزيز التنسيق الإعلامي والتوعوي بما يسهم في رفع مستوى الوعي المجتمعي.
وفي جزيرة مصيرة، ورغم أن البقعة النفطية لم تصل إليها، فقد اتخذت الجهات المختصة إجراءات احترازية برفع مستوى الجاهزية ومتابعة الشواطئ الجنوبية بشكل مكثف تحسبًا لأي آثار محتملة. كما يجري استخدام صور الأقمار الصناعية على مدار الساعة لرصد حركة الزيت وضمان عدم حدوث أي انحراف مفاجئ نحو المحميات الطبيعية في الجزيرة، بما يعكس حرص المؤسسات على الاستباق والجاهزية.
هذه الجهود الرسمية تعكس خبرة الحكومة في التعامل مع الأزمات والأنواء المناخية وتجسد قدرة المؤسسات على مواجهة التحديات المعقدة بوعي واستعداد. غير أن حجم الكارثة يفرض أن يستمر النشر والمتابعة الدقيقة وأن تفتح مساحة أكبر لمشاركة المجتمع عبر الفرق التطوعية التي يمكن أن تكون سندا حقيقيا في مواجهة الأزمة. فالمخاطر لا تقف عند البحر وحده وإنما تمتد إلى رزق الصيادين وصحة الناس والسياحة الساحلية. إن المسؤولية لا تنتهي عند وقوع الكارثة، وإنما تبدأ من لحظة إدراك آثارها والعمل على الحد منها. كما أن الصيادين والسكان المحليين يتابعون باهتمام أي تأثير محتمل على مصادر رزقهم وصحة بيئتهم البحرية.
إن هذه الحادثة تضع الجميع أمام مسؤولية جماعية، وقد أثبتت الحكومة حضورها السريع واستجابتها الفاعلة، ويظل حجم التحدي قائمًا بما يستدعي أن تتحول المسؤولية إلى مشاركة عملية، وأن تتضافر الجهود الرسمية والشعبية معا لحماية الحياة والبحر.
