إدريس بن علي السعيدي
لم تكن السياسة العُمانية في تعامُلها مع مُحيطها الإقليمي والدولي قائمة على ردود الأفعال أو الدخول في صراعات لا تخدم مصالحها، وإنما قامت على مجموعة من المبادئ التي جعلت من الحوار والاحترام المتبادل وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول أساسًا لعلاقاتها الخارجية. وهذه السياسة لم تكن موقفًا مُؤقتًا تفرضه الظروف، بل أصبحت نهجًا ثابتًا عُرفت به سلطنة عُمان في تعاملها مع مختلف دول العالم.
ويؤكد النظام الأساسي للدولة مبادئ واضحة في تعامل سلطنة عُمان مع المجتمع الدولي، من بينها احترام المواثيق والمعاهدات والقوانين الدولية، والعمل على إرساء السلام والأمن بين الدول والشعوب، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها واستقلالها. وهذه المبادئ تعكس طبيعة السياسة العُمانية التي ترى أن استقرار المنطقة لا يتحقق بفرض المواقف أو زيادة الخلافات، وإنما باحترام الدول لبعضها والبحث عن المساحات المشتركة.
وتظهر الحكمة العُمانية بصورة واضحة عندما تتعامل مع قضايا يكون فيها أطراف النزاع على مواقف متباعدة. فلم تجعل سلطنة عُمان الخلاف السياسي سببًا لقطع قنوات التواصل، بل حافظت على علاقاتها مع مختلف الأطراف، وأصبحت مسقط في مراحل مختلفة مكانًا يلتقي فيه المتخاصمون، وتُجرى فيه الحوارات التي يصعب عقدها في أماكن أخرى. وهذا الدور لم يأتِ من رغبة في الظهور السياسي، وإنما من قناعة بأنَّ الحوار مهما طال يبقى أفضل من الصراع.
وتتضح هذه السياسة كذلك في تعامل سلطنة عُمان مع جيرانها، وفي مقدمتهم إيران واليمن ودول الخليج؛ فالجوار الجغرافي يفرض على الدول أن تتعامل مع بعضها بواقعية، حتى عندما تختلف في بعض المواقف. ولذلك حافظت سلطنة عُمان على سياسة حُسن الجوار وعدم التدخل، مع التمسك في الوقت نفسه بحقها في حماية أمنها ومصالحها الوطنية.
وفي التعامل مع إيران والولايات المتحدة، اتبعت سلطنة عُمان نهجًا يقوم على التواصل المباشر وعدم الانحياز إلى سياسة الاستقطاب. كما ظهر هذا النهج في التعامل مع التوترات التي شهدتها المنطقة ومضيق هرمز؛ حيث أكدت سلطنة عُمان أهمية حرية الملاحة والالتزام بالقانون الدولي، دون تحويل المضيق إلى ساحة للمواجهة. وهنا تظهر إحدى أهم سمات السياسة العُمانية؛ الحكمة لا تعني التنازل عن السيادة، والحياد لا يعني غياب الموقف.
أما القضية الفلسطينية، فقد بقي الموقف العُماني ثابتًا تجاه حقوق الشعب الفلسطيني، مع الدعوة إلى وقف الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات والعودة إلى الحلول السياسية. وكذلك في مختلف الأزمات التي شهدتها المنطقة، حافظت سلطنة عُمان على موقف يدعو إلى الحوار والحلول السلمية، بعيدًا عن التصعيد والاستقطاب.
ومن هنا نصل إلى مفهوم سيادة القرار؛ فالدولة التي تمتلك قرارها هي الدولة التي تحدد مواقفها وفق مصالحها وقناعاتها الوطنية، دون أن تجعل سياستها الخارجية مجرد انعكاس لمواقف الآخرين. وهذا ما حرصت عليه سلطنة عُمان طوال تاريخها الحديث؛ إذ تتعاون مع الجميع، لكنها لا تسمح بأن يتحول التعاون إلى تبعية، وتحافظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف، لكنها لا تجعل هذه العلاقات سببًا للتنازل عن قرارها الوطني.
وقد استمر هذا النهج في ظل قيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- مع مواصلة التأكيد على مبادئ حُسن الجوار والحوار والتعاون واحترام سيادة الدول. وهذا يؤكد أنَّ السياسة الخارجية العُمانية ليست مرتبطة بظرف أو مرحلة معينة، وإنما ترتكز على مبادئ واضحة تستمر مع تغير الظروف والمتغيرات.
وفي عالم تتغير فيه التحالفات وتتسارع فيه الأزمات، تُصبح قدرة الدولة على الحفاظ على مبادئها وإدارة علاقاتها بحكمة أحد أهم عناصر قوتها. وسلطنة عُمان أثبتت أن الهدوء لا يعني الضعف، وأن الحوار لا يعني التنازل، وأن الانفتاح على الجميع لا يتعارض مع سيادة القرار.
ختامًا.. إنَّ الحكمة العُمانية ليست مجرد أسلوب في التعامل مع الأزمات، وإنما هي خيار سياسي يحمي مصالح الدولة ويُعزز مكانتها. وسيادة القرار لا تعني الابتعاد عن العالم، بل تعني أن تكون للدولة علاقات واسعة مع الجميع، وأن تتعاون وتتحاور دون أن تفقد قدرتها على تحديد موقفها؛ فالحكمة أن نعرف متى نتحدث، ومتى نتحاور، ومتى نختلف، والأهم أن يبقى القرار العُماني نابعًا من قناعة عُمانية ومصلحة وطنية، لا تمليه الظروف ولا تفرضه الضغوط.
