عباس الزدجالي
قرأتُ باهتمام المقالات الثلاثة للأستاذ مرتضى بن حسن بن علي، والمنشورة في جريدة الرؤية بعناوين: «تشخيص التعثر الهيكلي وموجهات التطوير الاستراتيجي»، و«لماذا تعثرت محاولات التعمين في البدايات؟»، و«لماذا فشلت بدايات التعمين؟». وهي بلا شك تعكس خبرة طويلة ونظرة رجل أعمال مُخضرم عايش القطاع الخاص وتحولاته منذ وقت مبكر، إلّا أنني خرجت منها بالسؤال نفسه الذي يُلاحق ملف التعمين منذ عقود: أين الوافد من كل هذا التشخيص؟
ثلاثة مقالات عن التعمين، ومع ذلك يكاد الوافد يغيب عنها تمامًا، وكأنَّ مشكلة التعمين يمكن مُناقشتها بمعزل عن الطرف الذي يشغل نسبة كبيرة من الوظائف التي نتحدث عن توطينها!
تكررت في المقالات المبررات المألوفة: ضعف مُخرجات التعليم، والفجوة بين الدراسة ومتطلبات السوق، والحاجة إلى التدريب والتأهيل، ورفع الإنتاجية، وعدم اللجوء إلى الإحلال لمجرد تحقيق نسب رقمية، وهي ملاحظات سمعناها طويلًا ولا يخلو بعضها من وجاهة، لكنها في مجملها تمثل النظرة التقليدية التي دأب جزء من القطاع الخاص على طرحها كلما دار الحديث عن التعمين. لكن بعد أكثر من نصف قرن من التعليم النظامي، والبعثات، والكليات والجامعات، والتدريب والتأهيل، هل ما زال من المنطقي أن تبقى المشكلة الأساسية هي أن العُماني غير مؤهل أو غير منتج بما يكفي؟
والأغرب أنَّ العُماني نفسه الذي يُشكَّك أحيانًا في كفاءته داخل بعض مؤسسات القطاع الخاص المحلي أثبتَ جدارته في الوزارات والمؤسسات الحكومية، وفي شركات النفط والطاقة والطيران والمصارف والاتصالات والمؤسسات الكبرى، كما نجح عُمانيون يعملون في شركات ومؤسسات خارج السلطنة وفي بيئات تنافسية لا تمنح أحدًا وظيفة لمجرد جنسيته. فكيف يصبح المواطن كُفُؤًا حين تديره مؤسسة حكومية أو شركة عالمية، ثم تتحول كفاءته فجأة إلى موضع شك عندما يطرق باب شركة خاصة محلية؟
ربما المشكلة إذن ليست كلها في «مخرجات التعليم» ولا في عقلية الباحث عن عمل، بل في نموذج سوق العمل نفسه، وطريقة إدارة الموارد البشرية، والحوافز الاقتصادية التي تشكل قرارات التوظيف، ومدى استعداد الشركات لتحمّل مسؤوليتها في صناعة الكفاءة الوطنية بدل انتظارها جاهزة تمامًا. ومن الصعب مناقشة التعمين بموضوعية من دون طرح السؤال الذي تجنبته المقالات تقريبًا: لماذا يظل الاعتماد على غير العُماني جذّابًا لبعض مؤسسات القطاع الخاص حتى في وظائف تتوافر لها كفاءات وطنية؟ ولماذا يُطلَب من المواطن، في أحيانٍ كثيرة، أن يصل إلى الشركة محمّلًا بخبرة سنوات قبل أن تُتاح له أصلًا فرصة اكتساب تلك الخبرة؟
وهنا تُصبح سياسة الانتظار نفسها جزءًا من المشكلة؛ فكل عام يتأخر فيه الإحلال تتراكم فيه خبرات جديدة لدى من يشغل الوظيفة، بينما يبقى الباحث العُماني خارجها يُقال له: لا تزال بحاجة إلى خبرة أكبر. وهكذا ندور في حلقة مفرغة: لا يحصل على الوظيفة لأنه بلا خبرة، ولا يحصل على الخبرة لأنه بلا وظيفة!
الحل ليس في انتظار موظف عُماني «مكتمل الجاهزية» قبل تعيينه؛ بل في التعمين المصحوب بالتدريب أثناء شغل الوظيفة. يُعيَّن المواطن، ويعمل إلى جوار صاحب الخبرة، ويتدرج في المسؤولية، وتُنقل إليه المعرفة عمليًا وفق برنامج واضح ومدة زمنية محددة، ثم يتولى المهمة كاملة. بهذه الطريقة بُنيت الكفاءات في كثير من القطاعات العُمانية الناجحة، وبهذه الطريقة أيضًا تُصنع الخبرة في معظم دول العالم.
الخبرة ليست شهادة تُشترى من الخارج، ولا مهارة يكتسبها الباحث عن عمل وهو جالس في المنزل. الخبرة وليدة العمل نفسه، والممارسة اليومية، والخطأ والتصحيح، وتحمل المسؤولية تدريجيًا.
لا أحد يطالب بإقصاء الخبرة الأجنبية، ولا بتوظيف شخص غير مؤهل لمجرد أنه عُماني. فالاقتصاد الحديث يحتاج إلى الخبرات من كل مكان. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الاستعانة بالخبرة الأجنبية عند الحاجة وبين أن يُصبح وجودها هو الأصل، بينما يظل المواطن مطالبًا بإثبات جدارته جيلًا بعد جيل.
بعد خمسين عامًا من التعليم والتأهيل، قد يكون الوقت قد حان لتغيير السؤال. فبدل أن نسأل دائمًا: لماذا لم يصبح العُماني جاهزًا بعد؟ لنسأل أيضًا: لماذا لا يزال جزء من القطاع الخاص غير جاهز للعُماني؟
التعمين لا ينجح بالانتظار حتى يظهر الموظف الكامل؛ بل بإدخال العُماني إلى الوظيفة، وتدريبه فيها، ومنحه الفرصة الحقيقية حتى يصبح هو صاحب الخبرة والكفاءة.
