غزة الوحيدة

 

 

 

عوض المعني

استبشر الجميع خيرًا بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف الحرب على غزة، تحديدا يوم التاسع من أكتوبر 2025، وهناك في القاموس الأمريكي يتم تعرفيها بالحرب، بينما هي أصلا إبادة جماعية؟!!

 ليست حربًا لأنها ببساطة ليست بين طرفين متماثلين على الأقل في القوة والتنظيم (جيش نظامي وحركة مقاومة) ولأنَّ قوات الاحتلال خلال عامين تخطت كل الخطوط الحمر وما خطته الوثيقة الأممية لحقوق الإنسان عام 1948؛ بل أضحى ثلة من قادة الكيان مطلوبين للعدالة الدولية. وتكتمل أركان الجريمة الصهيونية باستهداف البنى التحتية والمدنية في القطاع ليغدو 90% من المباني القائمة بمختلف مستوياتها (مشاف، مدارس، دور عبادة) أثرًا بعد عين، مخلفًا دمارًا واسعًا في الأرجاء.

وعند الإعلان الأمريكي في التاسع من أكتوبر الماضي جاء بـ20 نقطة بمراحل ثلاث تبدأ بوقف الأعمال القتالية وانسحاب جيش الاحتلال وإدخال المساعدات الإنسانية، وباستغلال الهدوء الهش في غزة انتقلت آلة الحرب الصهيونية للجمهورية الإسلامية الإيرانية لتشتعل المنطقة برمتها بدلا من إطفاء جذوة الصراع. فلا شيء مما حمله الوسطاء وتم الاتفاق عليه، خاصة على الجانبين الإنساني والمدني حصلت عليه غزة؛ فالأهالي المنكوبة لم يتغير وضعهم الإنساني كثيرًا عمّا قبل الهدنة، فلا زالت السيطرة على المعابر بيد الاحتلال الذي لم يسمح إلا بأقل من ربع الشاحنات المتفق دخولها يوميًا بشكل عاجل (600 شاحنة يوميًا) كما استمرت الغارات والقصف المدفعي على شكل خروقات تحت ذرائع الرد على خروقات حماس أو اغتيال عناصر المقاومة، مع تلكؤ في الانسحاب خارج حدود الخط الأصفر والذي تمدد حالياً ليقضم 70% من مساحة القطاع.

تكمن مشكلة غزة الحقيقية في الاحتلال نفسه، لأنه- أي الاحتلال- نصب نفسه سجَّانًا أبديًا للقطاع، منذ فوز حركة المقاومة الإسلامية حماس في عام 2006 في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وهو نفسه طرف في حرب الإبادة منذ أكتوبر 2023. ومع كل التفاهمات المُفضِية إلى تخلي المقاومة دفعة واحدة عن الأسرى لديها أو الموافقة على التخلي عن سلاحها لوقف الاعتداءات على المكونات الاجتماعية في القطاع، يرفض قادة الاحتلال المضي قدما في تطبيق بنود الاتفاق، واستمرار التحكم في مفاصل الحياة اليومية للغزيين، والتنصل من كل التفاهمات الموقعة مع الوسطاء سواء بفتح المعابر شريان الحياة بالقطاع أو وقف الاعتداءات العسكرية.

 وتكمن المشكلة الأخرى لغزة في صورتها البطولية في المخيلة الجماهيرية، تحديدا منذ طوفان الأقصى، حيث أيقظ حلمًا بإمكانية مباغتة الآلة الحربية المتقدمة للكيان وهزيمتها، فبالتوازي مع الصور المؤلمة الخارجة من غزة، كانت بطولات المقاومة تسجل عبر المنصات بماء الذهب ويتم تداولها على نطاق واسع، لكن غابت عن الأذهان أن المقاومة أشعلت الشرارة بإمكانياتها المحدودة والعين مصوبة على بقية الأنظمة والجماهير العربية والإسلامية لتكمل بقية المسيرة في معركة النضال المقدس، متجاهلين كون المقاوم يظل فردا عاديا يحمل سلاحه البدائي، وأن بطولاته إن عدت ظواهر خارقة للعادة، لا بُد تخضع في نهاية المطاف للواقع المنحاز بكفته إلى الجيوش النظامية المدججة بكل أنواع الأسلحة والتحالفات العسكرية.

غزة أصلًا محرومة منذ سنين طويلة من الموارد والإمكانات، ومع اتفاق وقف إطلاق النار أكتوبر 2025 تنفَّس الجميع الصعداء وظنها نهاية المعاناة، وسيحظى القطاع بحقه في الحياة، ليقف التعنت الإسرائيلي حجر عثرة دون رادع يذكر، مواصلا سفك الدماء ليبلغ أكثر من 1250 شهيدًا منذ الاتفاق؛ حيث يجري التسليم شيئًا فشيئًا أن لا حل يلوح في أفق غزة!

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z