هل حان الأوان لتطوير منظومة عقود الإيجار؟

 

 

 

شيخة المشايخية

تشهد سلطنة عُمان توسعًا ملحوظًا في السوق العقاري بمختلف المحافظات، بالتوازي مع النمو الاقتصادي والتوسع العمراني وتنوع الاستثمارات السكنية والتجارية والسياحية. ومع تسارع التحول الرقمي في الخدمات الحكومية والمصرفية، تبدو المرحلة مهيأة للانتقال بعقد الإيجار من مجرد عملية توثيق إلى منظومة اقتصادية رقمية متكاملة تحفظ الحقوق، وتعزز الشفافية، وتسرّع حركة الأموال.

الإيجار التزام مالي دوري، ويمكن ربط عقد الإيجار الإلكتروني بتفويض مصرفي يتيح استقطاع قيمته شهريًا من حساب المستأجر وفق دورة دخله؛ سواء كان موظفًا في القطاع الحكومي أو الخاص، أو صاحب شركة أو مؤسسة. وفي العملية ذاتها، تُحصّل الرسوم البلدية المستحقة بصورة دورية وفق الإيجار المحصل فعليًا، بدل تحصيل رسوم سنة كاملة مقدمًا عن دخل مستقبلي قد لا يتحقق إذا انتهى العقد قبل موعده.

وبذلك تحصل البلدية على حقها أولًا بأول، ويتحول الرسم من تحصيل سنوي مقدم إلى تدفق مالي دوري ومستمر، مرتبط مباشرة بالنشاط الإيجاري الفعلي. وإذا انتهى عقد وبدأ آخر، تبدأ معه دورة التحصيل الجديدة دون تداخل بين الفترات أو رسوم مرتبطة بدخل لم يتحقق.

ويمتد التكامل إلى الكهرباء والمياه والاتصالات والإنترنت والخدمات المرتبطة بالعقار، بحيث تكون حالة الالتزامات واضحة طوال مدة الإشغال، وتتم تسويتها عند انتهاء العقد. أما في العقارات التجارية، فيمتد الربط إلى السجل التجاري والترخيص البلدي والتراخيص المرتبطة بالنشاط والموقع.

وإذا كان النظام قادرًا على توثيق الدفع لحظة بلحظة، فإنه قادر أيضًا على اكتشاف التعثر فور حدوثه. وهنا تصبح الحاجة ملحّة إلى مسار قانوني سريع وواضح للتعثر الإيجاري: إشعار إلكتروني أول عند عدم السداد، ثم إنذار نهائي خلال مدة محددة، فإذا استمر التعثر انتقل العقد آليًا إلى مسار الإخلاء والتنفيذ وفق القانون، مع بقاء حق المستأجر في الاعتراض في الحالات التي يوجد فيها نزاع حقيقي.

الهدف ألا يبقى المالك عدة أشهر دون إيجار، خاصة الكثير من ملاك العقارات لديهم التزامات بنكية شهرية وأيضا بحيث لا تتراكم على المستأجر ديون يصعب عليه سدادها، ولا تُشغل المحاكم بمنازعات يمكن حسم جانب كبير منها من خلال سجل إلكتروني موثق وإجراءات محددة المدد.

وتزداد أهمية ذلك مع اتساع فرص التملك الأجنبي للعقار في المجمعات السياحية المتكاملة (ITC) ودخول مستثمرين من خارج السلطنة لشراء الوحدات العقارية بغرض الاستثمار والتأجير. فالمستثمر الذي يستطيع شراء عقار وإدارته عن بُعد، ومتابعة عقده وإيجاره ورسومه والتزاماته إلكترونيًا، ضمن منظومة واضحة وسريعة لحماية الحقوق، سيكون أكثر اطمئنانًا إلى الاستثمار في السوق العقاري العُماني. ومن هنا يمكن أن تتحول كفاءة منظومة عقود الإيجار نفسها إلى عنصر من عناصر الجاذبية الاستثمارية للسلطنة.

وفي الجانب الاجتماعي، ينبغي أن تراعي المنظومة الأسر المستفيدة من الحماية الاجتماعية والأسر المعسرة، بإعفائها من رسوم ونسب تسجيل عقد إيجار مسكنها الأساسي أو تخفيضها وفق ضوابط واضحة، ليظل التوازن قائمًا بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية.

إنَّ التحول الرقمي الحقيقي لا يعني تحويل الورقة إلى شاشة، بل إعادة هندسة الدورة الاقتصادية بأكملها: عقد الإيجار، البنك، البلدية، الكهرباء، المياه، الخدمات، والسجل التجاري؛ بحيث تعمل جميعها ضمن منظومة مترابطة.

وعندها يصبح عقد الإيجار أكثر من وثيقة بين مالك ومستأجر؛ يصبح أداة اقتصادية لتنظيم التدفقات المالية، وحماية الحقوق، وتقليل المنازعات، وتعزيز ثقة المستثمر المحلي والأجنبي، ورفع كفاءة السوق العقاري العُماني.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z