تصوُّرات لا بد من تغييرها

 

 

د. صالح الفهدي

شكا لي قريبٌ لي -وكنَّا نخوضُ نقاشات مختلفة- قائلًا: هناك أمرٌ يضايقني، وهو أنَّ بعض الناس حين يرونني وقد لمعت لحيتي ببعض شعرات بيضاء، تبدرُ منهم تعليقات يظنُّونها من باب الفكاهة، والمزاح، بينما أراها غير لطيفة وغير لائقة على الإطلاق، بل إنَّ بعضَهم قال لي وهو يصافحني: "مَن الأكبر: أبوك أم أنت؟"، وكان سؤالًا غير لائق، فآثرتُ تجاهله، وعوضًا عن الرد عليه، سألته عن حاله وحال والده.

وهذا الشاب القريب أعرف عنه الهمَّة والطموح، وأعرف أنَّه لا يزال في مقتبل العطاء؛ فقد أسَّس شركةً مع مجموعةٍ من زملائه بعد أن (تقاعد)، ويسعى جاهداً إلى تطوير نفسه وبناء مستقبله. لكنَّ بعض النظرات الاجتماعية لا تزال أسيرةَ تصوُّراتٍ قديمةٍ عن العمر، فتتعامل مع الشيب وكأنَّه إعلانٌ عن نهاية الشباب، ومع الأربعين وكأنَّها بداية التراجع والانطفاء.

والحقيقة أنَّ البياض ليس عمرًا، والعمر ليس شيخوخةً، والشباب ليس لونًا في الشعر؛ فقد يبيَضُّ شعر الإنسان بينما تزداد همَّته، وتتسع خبرته، وتنضج رؤيته، ويصبح أكثر قدرةً على العمل والإنجاز. وقد تجد شابًّا في العشرين أو الثلاثين فاقدَ الحماس، قليلَ الطموح، يعيش بعقليةٍ أقرب إلى التقاعد من الحياة.

ولا يقتصرُ الأمر على تعليق الشخصِ على غيره بأنَّه "قد شيَّبَ" وإنَّما يعلِّقُ الكثيرون على أنفسهم بأنَّهم قد "شيَّبوا" حتى أصبحت هذه الكلمة مألوفة عندهم، حتى أنني سمعتها حتى من ثلاثيني في عمره! يمارسُ معنا إحدى الرياضات فقلتُ له إذن امتنع عن مشاركتنا إن كنت ترى نفسك قد أصبحت "شيبة"!. أحد الأشخاص كان يعلِّق على نفسه دائمًا بالقول: "لقد شِبتُ"، وكنت أنصحه بأن ينتبه إلى هذه العبارة؛ لأن الإنسان قد يبدأ أحيانًا في النظر إلى نفسه من خلال الكلمات التي يكرِّرها، فيرى في الإرهاق البسيط علامةً على الشيخوخة، وفي الألم البسيط دليلًا على تراجع صحته، وفي كل شعرةٍ بيضاء إعلانًا عن انتهاء مرحلة الشباب!.

يقول دكتور علم النفس السريري طالب الخفاقي، مؤلف كتاب" العقل الخبيث: "المرض قرار"؛ قاصداً من ذلك المعنى النفسي للعبارة، لا المعنى الظاهري الحرفي، مشيراً إلى أن الإنسان قد يساهم في تشكيل تجربته الصحية من خلال أفكاره وتوقعاته وطريقة حديثه عن نفسه، وليس معناها أن كل مرضٍ سببه قرار واعٍ من المريض أو أن الإنسان يستطيع أن يمنع الأمراض العضوية بمجرد التفكير الإيجابي

إن المعنى من تلك العبارة لا يقصدُ أنَّ الإنسان يستطيع أن يُحدث المرض في جسده بمجرد كلمة، لكنَّ علم النفس والطب يؤكدان أن التوقعات السلبية والمعتقدات التي يحملها الإنسان عن صحته وعمره يمكن أن تؤثر في تجربته للأعراض وفي حالته النفسية وسلوكه الصحي، وأزيدُ على ذلك بأن تكرار الكلمة ذاتها مراراً يجلبُ المرض.

وهذه الفكرة تزداد أهمية عندما يتعلق الأمر بالعمر والشيخوخة. فقد أكدت منظمة الصحة العالمية أنَّ «التصورات النمطية المرتبطة بالعمر» لا تبقى مجرد أفكار اجتماعية، وإنما يمكن أن تمتد آثارها إلى الصحة والرفاه النفسي. وتعرِّف المنظمة التنميط العمري (Ageism) بأنه الصور النمطية والتحيز والتمييز على أساس العمر، وتذكر أنه يرتبط بصحة جسدية ونفسية أسوأ، وبزيادة أعراض الاكتئاب والعزلة الاجتماعية، بل قد يؤثر في السلوكيات الصحية وجودة الحياة.

والأهم من ذلك أن هذه الصور النمطية قد يتبناها الإنسان عن نفسه. فإذا ظل يسمع: «كبرت»، «صرت شيبة» فقد تتحول هذه الكلمات مع الوقت من كلامٍ يسمعه إلى صورةٍ ذهنيةٍ يحملها عن ذاته. وقد أشار تقرير منظمة الصحة العالمية حول الشيخوخة والصحة إلى أن الصور النمطية السلبية المتعلقة بالعمر يمكن أن تصبح أشبه بـ نبوءة تحقق ذاتها، حين يستبطنها الإنسان فتؤثر في كفاءته الذاتية وإنتاجيته وسلوكه.

وتؤيد البحوث التجريبية هذا الجانب النفسي؛ فقد وجدت دراسة تناولت تأثير المعلومات السلبية عن التقدم في العمر أن كبار السن الذين تعرضوا لتهديد الصور النمطية المرتبطة بالشيخوخة أصبحوا يشعرون بأنهم أكبر سنًا نفسيًا وجسديًا، مع اختلاف تأثير ذلك في الأداء البدني بحسب الظروف والتصورات الذاتية عن العمر.

ولهذا فإنَّ العبارة التي يكررها الإنسان عن نفسه ليست دائمًا بريئة من الأثر. فإذا قال: "قد شِبتُ، وضعفتُ، وكبرتُ، ولم يعد لدي ما أفعله"، فقد يبدأ في الانسحاب من النشاط والعمل والتعلم والمجتمع، فيقل نشاطه، وتضيق دائرة علاقاته، ويضعف شعوره بالغاية؛ ثم يعود هذا التراجع ليؤكد له أن ما قاله كان صحيحًا، وأنه قد أسهم في صناعة نظرة سلبية إلى الذات قد تؤثر بدورها في السلوك والصحة النفسية ونمط الحياة.

وفي المقابل، لا يعني التفكير الإيجابي أن ينكر الإنسان عمره أو مشكلاته الصحية، وإنما أن ينظر إلى عمره باعتباره مرحلة من مراحل العطاء لا إعلانًا عن نهايته. فالإنسان يستطيع أن يتقدم في العمر دون أن يتقاعد عن الحياة، وأن يزداد سنًا دون أن يتوقف عن التعلم والعمل والمبادرة.

إن تغيًّر النظرة إلى إيجابية إلى العمر هي عاملٌ نفسيٌّ مؤثِّر على الصحة النفسية، وعلى العطاءِ والعمل، والطموح، لذلك أقول لمن يردد:"لقد شِبت" إن العمر مجرد رقم، وان الشعور النفسي هو الذي يمنحهُ عنفوان الحياة أو التراجع والخفوت.

ولنا في هذا السياق قصةٌ تُروى عن النسر، وإن كانت من القصص الرمزية الشائعة التي تحمل معنى بليغًا في التجدد وعدم الاستسلام للتقدم في العمر.

إذ يُقال إنَّ النسر حين يبلغ نحو الأربعين من عمره، يمرُّ بمرحلةٍ قاسية؛ فينحني منقاره، وتضعف مخالبه، ويثقل ريشه، حتى يصبح عاجزًا عن التحليق والصيد كما كان من قبل. وحينها يجد نفسه أمام خيارين: إمَّا أن يستسلم لهذا الضعف وينتهي به الأمر إلى الهلاك، وإمَّا أن يخوض رحلةً شاقةً من التجدد.

فتروي القصة أنَّه يصعد إلى أعلى قمةٍ يستطيع بلوغها، ثم يبدأ رحلة التغيير؛ فيكسر منقاره على الصخر، وينتظر حتى ينمو منقارٌ جديد، ثم يكسر مخالبه، وينتزع ريشه القديم، حتى ينبت له ريشٌ جديد. وبعد هذه الرحلة الشاقة يستعيد قدرته على التحليق والصيد، ويبدأ مرحلةً جديدة من حياته.

تحمل هذه القصة درسًا إنسانيًا عميقًا وهو أنَّ الإنسان لا ينبغي أن يستسلم لمجرد أن مرحلةً من حياته انتهت، بل عليه أن يجدّد نفسه كلما احتاج إلى ذلك.

وفي الختام نقول: ليس كلُّ مَن ابيضَّ شعرُه قد شاخ، وليس كلُّ مَن اسودَّ شعرُه قد بقي شابًّا؛ فالشبابُ هِمَّةٌ تتجدَّد، وعقلٌ يتعلَّم، ونفسٌ تتطلَّع إلى المستقبل.

فالإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بما أضافه إلى السنوات التي عاشها، ومن حقِّ من بلغ الأربعين أو الخمسين أو الستين أن يبدأ مشروعًا جديدًا، ويتعلم مهارةً جديدة، ويؤسس شركةً، ويكتب كتابًا، ويغيّر مساره، ويواصل العطاء؛ لأنَّ التقاعد من وظيفة لا يعني التقاعد من الحياة.

 

 

الأكثر قراءة

z