◄ المستثمرون يعوّلون على شركات التكنولوجيا في الاستثمارات المتوسطة وطويلة الأجل
◄ العوائد المتوقعة من استثمارات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى وقت طويل
◄ فرص استمرار الصعود في قطاع الذكاء الاصطناعي لا تزال كبيرة
◄ يجب التحلي بالدقة عند اختيار الشركات القادرة على تحقيق أرباح فعلية
الرؤية- سارة العبرية
قال أحمد فايز عقل، خبير مالي واقتصادي، إن أسهم التكنولوجيا وخاصة في ظل صعود الذكاء الاصطناعي خلال الفترة الأخيرة، احتلت المرتبة الأكثر أهمية وتداولًا وجذبًا للمستثمرين على مستوى البورصات العالمية، موضحًا أن شركات التكنولوجيا أصبحت من الشركات سريعة التحرك، والتي يعوّل عليها كثير من المستثمرين في الاستثمارات المتوسطة وطويلة الأجل، كما استقطبت رؤوس أموال واستثمارات كبيرة.
وأضاف -في حوار مع "الرؤية"- أن العالم شهد طرحًا كبيرًا في الفترة الأخيرة، في إشارة إلى شركة "سبيس إكس" (SpaceX) التابعة لإيلون ماسك، بقيمة تقترب من تريليون دولار، مُعتبرًا أن التكنولوجيا لم تعد قطاعًا عاديًا من قطاعات الاقتصاد، وإنما أصبحت المحرك الأول والأهم لمختلف القطاعات، خصوصًا مع دخول الذكاء الاصطناعي في مجالات الإنتاج الزراعي والصناعي والعديد من الصناعات الأخرى.
وأوضح عقل أنَّ البورصات في مُعظم دول العالم تمر بمستويات تاريخية، ولم تشهد تصحيحات قوية رغم التقلبات المرتبطة بأسعار الفائدة ومعدلات التضخم والركود، إلى جانب الظروف الجيوسياسية، ومنها الحرب الإيرانية الأمريكية، مشيرًا إلى أنَّ الأسواق المالية العالمية والبورصات الأمريكية لم تشهد حتى الآن تصحيحًا حقيقيًا يتناسب مع حجم هذه التحديات.
وبيّن أنَّ من أهم أسباب تسجيل البورصات لهذه المستويات التاريخية توقعات السياسة النقدية، خاصة التوقعات السابقة بخفض أسعار الفائدة، والتي بدأت الأسواق في استيعابها مع توقع استمرار الخفض، مؤكدا أنَّ خفض أسعار الفائدة يؤدي دورًا مهمًا في تحويل رؤوس الأموال من الودائع البنكية إلى الاستثمارات، وخاصة أسواق الأسهم وغيرها من الأدوات الاستثمارية مثل الذهب والنفط، إلا أن أسواق المال تظل من أبرز وجهات الاستثمار نظرًا لمرونتها وإمكانية تحقيق عوائد مرتفعة مقارنة بالسندات وبعض الاستثمارات الأخرى.
وأشار إلى أن الأداء القوي للشركات كان من عوامل صعود الأسواق، إذ أظهرت العديد من الشركات نتائج أفضل من المتوقع، مع قدرتها على تحقيق أرباح جيدة والحفاظ على هوامش ربحية مرتفعة وجذب السيولة، خصوصًا في ظل التوترات التي شهدتها الأسواق خلال الفترة الأخيرة، مضيفا أن إعادة توجيه الاستثمارات أسهمت كذلك في دعم أسواق الأسهم، مع ارتفاع أسعار أدوات استثمارية أخرى مثل الذهب والفضة، كما أن بعض المستثمرين كانوا يحولون أرباحهم من أسواق المال إلى سوق الذهب عندما كانت أسعاره منخفضة، إلا أن ارتفاع أسعار المعادن خلال الفترة الأخيرة دفع بعض المستثمرين إلى إعادة توجيه أموالهم نحو الأسهم، نتيجة ارتفاع تقييمات قطاع المعادن، وفق تقديرات شريحة من المستثمرين.
وأكد أن السيولة النقدية، والنتائج الجيدة للشركات، والرغبة في تحمل المخاطر، إلى جانب التوقعات باستمرار سياسات نقدية مشجعة للاستثمار في الولايات المتحدة، والتوسع الكبير الذي تنفذه الشركات الأمريكية، شكلت مجتمعة عوامل رئيسية وراء استمرار صعود الأسواق.
وحول العوامل الرئيسية وراء الصعود القياسي لأسهم التكنولوجيا، قال عقل إن ثورة الذكاء الاصطناعي تعد من أهم العوامل الجاذبة للاستثمارات في المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن شركات مثل "إنفيديا" (Nvidia) و«سبيس إكس» (SpaceX) و"إيه إم دي" (AMD) أصبحت من أبرز الشركات التي تستحوذ على ارتفاعات واستثمارات كبيرة عالميًا.
وأضاف أن تراجع معدلات التضخم والحفاظ عليها عند مستويات مقبولة، وفق تصريحات الإدارة الأمريكية، أسهما كذلك في تعزيز توقعات المستثمرين بشأن مستقبل أداء الشركات، إلى جانب الدور الذي لعبته شركات كبرى مثل «جوجل» (Google) و«أمازون» (Amazon) في جذب الاستثمارات مع تنامي التوقعات بشأن الإيرادات التي يمكن أن يولدها الذكاء الاصطناعي.
وبيّن أن دخول المستثمرين منذ بدايات طفرة الذكاء الاصطناعي بهدف الاستفادة من موجة النمو أسهم في ضخ أموال كبيرة لشراء الأسهم، وخاصة أسهم التكنولوجيا والشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن هذه الشركات تمتلك وزنًا مؤثرًا في مؤشرات رئيسية مثل S&P 500 وNasdaq، وهو ما ساعد قطاع التكنولوجيا على المساهمة بجزء كبير من المكاسب التي حققتها تلك المؤشرات.
وفيما يتعلق بتقييمات أسهم التكنولوجيا، وهل أصبحت مبالغًا فيها، قال عقل إن استثمارات الذكاء الاصطناعي ما زالت في مراحلها الأولى، وإن المستثمرين يضخون أموالهم حاليًا للاستفادة من الطفرة المرتقبة، وبالتالي لا يمكن الحكم بشكل نهائي على أن الاستثمارات متضخمة في مرحلة البناء الحالية.
وأضاف أن التوسع الكبير والقدرات التي يُمكن أن يوفرها الذكاء الاصطناعي ستكون مهمة جدًا، مشيرًا إلى أن شركات مثل "مايكروسوفت" (Microsoft) و"إنفيديا" تمتلك أرباحًا جيدة، وتعمل على تحسين الإنتاجية وزيادة الإيرادات من خلال التوسع التكنولوجي، وبالتالي فإنَّ بعض هذه الشركات مدعومة بأساسيات مالية قوية تبرر جانبًا من التقييمات الحالية.
وفي المقابل، حذّر عقل من أن بعض الشركات الجديدة -خاصة الصغيرة أو الحديثة- قد تدخل في مكررات أرباح مبالغ فيها أو تتداول عند أسعار مرتفعة جدًا نتيجة موجة الذكاء الاصطناعي. واستذكر فقاعة الإنترنت (Dot-com)، التي شهدت دخول شركات بتقييمات مرتفعة، اختفى بعضها لاحقًا، بينما تمكنت شركات أخرى مثل "جوجل" و"آي بي إم" (IBM) و"أبل" (Apple) من النمو والاستمرار.
وقال إنَّ هناك شركات تمتلك مستويات جيدة من الأرباح والتدفقات النقدية وتستفيد فعليًا من الذكاء الاصطناعي، في حين توجد شركات أخرى قد تستفيد من الموجة بهدف تأسيس شركات وتضخيم قيمتها ثم البحث عن مستحوذ عليها لاحقًا.
أما بشأن العوائد المتوقعة من استثمارات الذكاء الاصطناعي، فأوضح عقل أن هذه الاستثمارات ليست مجدية بشكل عام على المدى القصير؛ نظرًا إلى ارتفاع حجم الاستثمارات المطلوبة، ولا تزال الصناعة في مراحلها الأولى، وقد تحتاج إلى فترة زمنية حتى تُحقق عوائد تتناسب مع حجم الأموال المستثمرة فيها.
لكنه أكد في الوقت ذاته أن الذكاء الاصطناعي أصبح تحولًا وضرورة لا يمكن الاستغناء عنها للحفاظ على تنافسية قطاع الأعمال، مُتوقعًا أن ينتقل تدريجيًا إلى مرحلة تحقيق الإيرادات والنمو.
وأشار إلى أنَّ الخدمات المُقدمة للشركات الكبرى قد تكون أكثر أهمية من الخدمات المقدمة للأفراد، نظرًا إلى قدرتها على توفير الوقت والجهد ورفع الدقة وخفض تكاليف إنجاز العديد من الأعمال المكتبية والورقية، لافتًا إلى وجود توقعات بأن نسبة كبيرة من الأعمال التي يُؤديها الأشخاص حاليًا قد يتم تنفيذها مستقبلًا بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أنَّ الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في تقليص الحاجة إلى بعض الأعمال في قطاعات مثل دراسات الجدوى والاستشارات المالية والقانونية والتسويق، خصوصًا مع انتشار الاشتراكات المدفوعة التي توفر خدمات استشارية متقدمة.
وأضاف أن الشركات حاليًا تمر بمرحلة بناء البنية التحتية الرقمية التي تتطلب استثمارات ضخمة، قبل الانتقال إلى مرحلة تحقيق الربحية، مشيرًا إلى أن رهان المستثمرين يتمثل في تحديد الشركات القادرة على الوصول إلى نهاية السباق وتحقيق عوائد حقيقية، وليس مجرد امتلاك أفكار أو الاستفادة من الزخم الاستثماري.
وقال عقل إن فرص استمرار الصعود في قطاع الذكاء الاصطناعي لا تزال كبيرة، موضحًا أن هذه التكنولوجيا ما زالت في بداية مسيرتها، ومن المتوقع أن تمتد إلى قطاعات عديدة، بينها الرعاية الصحية والاستشارات المالية والتمويل والتصنيع والزراعة.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في زيادة معدلات الإنتاج وتحسين التجارب والخطط وتعظيم الإنتاج والأرباح، إلا أن القطاع لا يزال يواجه تحديات مرتبطة بالمعلومات المتاحة والانتشار والدقة والجودة.
وأكد أن سرعة التحسن والتطوير اليومية تساعد في تجاوز هذه التحديات، مشيرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على حل العديد من المشكلات التي كانت تتطلب في السابق الاستعانة بخبراء متخصصين.
وحول تأثير أسعار الفائدة والمخاطر التي تواجه القطاع، أوضح عقل أن ارتفاع أسعار الفائدة يؤثر على قطاع التكنولوجيا من جانبين رئيسيين؛ أولهما أن معظم شركات القطاع تحتاج إلى تمويلات كبيرة من خلال القروض أو جذب المستثمرين، وبالتالي فإن ارتفاع تكلفة الاقتراض وصعوبة الحصول على التمويل تضغط على الشركات التي تعتمد على الاستثمارات الضخمة في التطوير والبحث.
أما الجانب الثاني، فبيّن عقل أنه يتمثل في إحجام المستثمرين عن الاستثمار في الأسهم وتفضيل وضع أموالهم في البنوك عندما توفر أسعار الفائدة عوائد مرتفعة، ما يؤدي إلى انخفاض شهية المخاطرة.
المخاطر الجيوسياسية
وأشار إلى أن أبرز المخاطر الحالية تتمثل في التوترات الجيوسياسية واحتمالات توسع رقعة الحروب، سواء الحرب الروسية الأوكرانية أو الحرب الإيرانية الأمريكية، وما قد ينتج عنها من ارتفاع في أسعار الطاقة، وتأثيرات على سلاسل الإمداد ومعدلات التضخم والنمو الاقتصادي.
وأضاف أن مخاطر السيولة تمثل تحديًا إضافيًا، مع تفضيل بعض المستثمرين الاحتفاظ بأموالهم في أصول آمنة مثل الذهب والعقار إلى حين اتضاح الرؤية بشأن التطورات الاقتصادية والجيوسياسية.
وأردف قائلا إن الأسواق تقوم دائمًا على دخول منتجات وثورات استثمارية جديدة، مُعتبرًا أن الذكاء الاصطناعي يمثل الثورة الاستثمارية الجديدة، وأن من يحسن استغلالها والاستثمار فيها قد يحقق أرباحًا غير مسبوقة، مع ضرورة التحلي بالدقة عند اختيار الشركات القادرة على تحقيق أرباح فعلية والاستفادة بصورة حقيقية من هذه الطفرة".
أرباح OpenAI
يشار إلى أن شركة OpenAI المطوّرة لـChatGPT، تتجه نحو واحدة من أكبر عمليات الطرح العام الأولي في تاريخ قطاع التكنولوجيا، بعدما أودعت في يونيو 2026 ملفًا سريًا لدى الجهات التنظيمية الأمريكية تمهيدًا للاكتتاب العام. ولم تحدد الشركة حتى الآن حجم الطرح أو شروطه النهائية، فيما تشير تقديرات نقلتها "رويترز" إلى أن قيمة الشركة عند الإدراج قد تصل إلى نحو تريليون دولار.
ورغم الحديث عن أرباح OpenAI، فإن الشركة لا تحقق أرباحًا صافية حتى الآن؛ بل تعمل بخسائر كبيرة نتيجة الإنفاق الهائل على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والحوسبة. فقد سجلت الشركة إيرادات تقارب 13 مليار دولار خلال 2025، متجاوزة توقعاتها السابقة البالغة 10 مليارات دولار، بحسب بيانات أوردتها "رويترز".
وشهدت الإيرادات نموًا سريعًا خلال الفترة الماضية؛ إذ تجاوزت الإيرادات السنوية على أساس معدل التشغيل 25 مليار دولار في فبراير 2026، بعدما تخطت 20 مليار دولار بنهاية 2025. ويعكس ذلك التسارع الكبير في الطلب على خدمات ChatGPT ومنتجات OpenAI الموجهة للمستهلكين والشركات والمطورين.
وكشفت بيانات مالية مدققة نقلتها "رويترز" عن إنفاق OpenAI نحو 34 مليار دولار خلال 2025، من بينها قرابة 19 مليار دولار على البحث والتطوير ونحو 6 مليارات دولار على المبيعات والتسويق، ما يوضح حجم الأموال التي تضخها الشركة للحفاظ على موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي.
وفي الربع الأول من 2026، حققت OpenAI إيرادات بلغت نحو 5.7 مليار دولار، لكنها أنفقت نحو 3.7 مليار دولار خلال الربع نفسه، وفق تقرير نقلته «رويترز» عن وثائق داخلية شاركتها الشركة مع مساهميها.
وتبرز تكاليف الحوسبة ومراكز البيانات باعتبارها أحد أكبر التحديات أمام تحول OpenAI إلى شركة مربحة. وكانت الشركة قد وضعت خططًا لاستثمار مبالغ هائلة في قدرات الحوسبة، فيما أفادت «رويترز» بأن OpenAI تستهدف إنفاقًا إجماليًا على الحوسبة قد يصل إلى 600 مليار دولار حتى عام 2030، في ظل توسع الطلب على البنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتأتي هذه الاستثمارات في وقت تتوقع فيه الأسواق استمرار نمو إيرادات الشركة بوتيرة قوية. فقد نقلت «رويترز» عن محللين في HSBC تقديرات بأن إيرادات OpenAI قد ترتفع إلى 34 مليار دولار في 2026 ثم إلى 64 مليار دولار في 2027، ما يعكس الرهان على استمرار توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات الأعمال والبرمجيات والخدمات الرقمية.
ويمثل الاكتتاب العام خطوة مهمة في استراتيجية OpenAI لتوفير مصادر تمويل ضخمة قادرة على دعم توسعها في البنية التحتية والذكاء الاصطناعي. وكانت "رويترز" قد أفادت في أكتوبر 2025 بأن الشركة كانت تدرس جمع 60 مليار دولار على الأقل من خلال الطرح، مع إمكانية وصول قيمة الشركة إلى تريليون دولار، مع التأكيد حينها على أن الأرقام والتوقيت كانت لا تزال قيد الدراسة.
وفي 8 يونيو 2026، أكدت OpenAI أنها قدمت بالفعل طلبًا سريًا للاكتتاب العام في الولايات المتحدة، لكنها شددت على أن الجدول الزمني لم يتحدد وأن الطرح قد يتأخر، ما يعني أن الشركة لم تصبح بعد شركة مدرجة ولا يوجد سهم لـOpenAI متداول في بورصة أمريكية حتى الآن.
وكانت تقارير في يونيو قد أشارت إلى احتمال تأجيل الإدراج إلى 2027؛ إذ ناقشت الشركة ومستشاروها خيار الانتظار للحفاظ على تقييم مستهدف يبلغ تريليون دولار، مقابل إمكانية الإدراج في وقت أقرب بتقييم أقل.
