خبير تقني يدعو للانتقال إلى نموذج تعليمي يُكسب الطلبة المهارات اللازمة

التعليم التقني.. ضرورة حيوية لإعداد جيل يصنع المستقبل

 

◄ الخالدي لـ"الرؤية": علينا بناء جيل قادر على الابتكار والتفكير النقدي وحل المشكلات

◄ التعامل بكفاءة مع التقنيات الحديثة لم يعد رفاهية

◄ الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني عناصر أساسية في مفاصل الاقتصاد

◄ القيمة الحقيقية للطالب ليست في كم المعلومات المخزنة بعقله

◄ القدرة على الفهم والتحليل وتوظيف التقنية ترسم ملامح مستقبل التعليم

◄ ضرورة ترسيخ المهارات التقنية عبر التعلُّم القائم على المشروعات

◄ أهمية بناء شراكة حقيقية بين المؤسسات التعليمية والقطاع التقني وسوق العمل

◄ "العقلية التعليمية" تمثل العقبة الأكبر في مسار تطوير التعليم التقني

◄ خلال سنوات الجميع سيملك التقنيات الحديثة.. والإنسان المؤهل هو الذي سيُحقق النجاح

 

 

 

الرؤية- سارة العبرية

قال الدكتور صالح بن عبيد الخالدي خبير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والرئيس التنفيذي لشركة Connect Arabia International LLC، إن العالم اليوم يشهد تحولًا غير مسبوق تقوده التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ما يوجب على المؤسسات التعليمية إعادة النظر في أساليب التعليم التقليدية، والانتقال إلى نموذج تعليمي يُمكّن الطلبة من اكتساب المهارات التي يتطلبها المستقبل.

د. صالح بن عبيد الخالدي.jpg
 

وأكد الخالدي- في حوار مع "الرؤية"- أن الهدف من التعليم ليس مجرد نقل المعرفة، وإنما أصبحَ بناء جيل يمتلك القدرة على الابتكار والتفكير النقدي وحل المشكلات والتعامل بكفاءة مع التقنيات الحديثة، مُشيرًا إلى أن دمج التكنولوجيا في العملية التعليمية يجب أن يكون خيارًا استراتيجيًا، وليس مجرد إضافة تقنية.

وقال الخبير في تقنية المعلومات إن من الخطأ طرح تساؤلات حول مدى ضرورة إدخال التكنولوجيا في التعليم؛ إذ إنها باتت بالفعل جزءًا من حياة الطالب، وطريقة تواصله وبحثه وتعلُّمه، لافتًا إلى أنَّ السؤال الأكثر أهمية يتمثل في كيفية تحويل هذا الحضور التقني الكبير من مجرد استخدام واستهلاك إلى معرفة ومهارة وقدرة على الابتكار والإنتاج.

وحول طبيعة التغيُّر الذي يشهده التعليم، أشار الخالدي إلى أن العالم يعيش مرحلة تتغير فيها طبيعة الوظائف والمهارات بوتيرة غير مسبوقة، مُبينًا أن الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني والروبوتات وإنترنت الأشياء أصبحت جُزءًا من البنية الأساسية للاقتصاد الحديث.

وأضاف أن هذا التحول يفرض إعادة التفكير في مفهوم التعليم نفسه، وفي نوعية المهارات التي ينبغي أن يمتلكها الطالب عندما يغادر المدرسة أو الجامعة.

وفيما يتعلق بالانتقال من نقل المعرفة إلى بناء القدرات، أوضح الخالدي أن نجاح العملية التعليمية ارتبط لفترة طويلة بقدرتها على نقل المعرفة إلى الطالب، ثم قياس مدى قدرته على استرجاعها، إلّا أن العالم الرقمي غيّر هذه المعادلة جذريًا. وبيّن أن المعلومة أصبحت متاحة خلال ثوانٍ، فيما يستطيع الذكاء الاصطناعي البحث والتلخيص والتحليل وإنتاج المحتوى بسرعة هائلة، وبالتالي فإن القيمة الحقيقية للطالب في المستقبل لن تكون في كمية المعلومات التي يحفظها، وإنما في قدرته على فهمها وتحليلها والتحقق منها وتوظيفها لصناعة قيمة جديدة.

وأكد أن دور المؤسسة التعليمية يجب أن يتحول من بيئة تقدم الإجابات إلى بيئة تساعد الطالب على صياغة الأسئلة واكتشاف المشكلات وتجربة الحلول والتعلم من الخطأ، مُعتبرًا أن هذا التحول يمثل جوهر التعليم التقني الحقيقي.

وفي جانب الذكاء الاصطناعي ودوره في العملية التعليمية، قال الخالدي إن أحد أكبر التحديات التي تواجه المؤسسات التعليمية اليوم يتمثل في كيفية التعامل مع الذكاء الاصطناعي، مُضيفًا أن هناك من ينظر إليه باعتباره أداة قد تسهّل على الطالب الوصول إلى الإجابة دون بذل جهد فكري، فيما يراه آخرون فرصة غير مسبوقة لتطوير التعليم.

وأكد أن المسألة لا تتعلق بالأداة ذاتها وإنما بطريقة استخدامها، قائلًا: "إنه إذا استخدم الطالب الذكاء الاصطناعي للحصول على الإجابة فقط، فقد يتحول إلى وسيلة تختصر التفكير، أما إذا تعلم كيفية استخدامه لتحليل المشكلة ومقارنة البدائل وبناء النماذج الأولية واختبار الفرضيات وتطوير الأفكار، فإنِّه يصبح شريكًا معرفيًا يوسع قدراته". وأشار إلى أن المهارة الأهم التي يجب غرسها لدى الطلبة- إلى جانب استخدام الذكاء الاصطناعي- تتمثل في التفكير مع الذكاء الاصطناعي دون التنازل له عن التفكير.

وتابع حديثه بالقول: "إن الطالب يحتاج إلى معرفة متى يثق بمخرجات الذكاء الاصطناعي ومتى يشك فيها، وكيف يتحقق من مصادرها، وكيف يميز بين المعلومة والتحليل والرأي، وكذلك الحفاظ على القيم والأخلاقيات والمسؤولية الإنسانية في استخدام التقنية".

المهارات التقنية

وفي شأن المهارات التقنية المطلوبة لدى الطلبة، أكد الخالدي أن هناك فرقًا كبيرًا بين المستخدم الرقمي وصانع الحلول الرقمية، مشيرًا إلى أن أبناء اليوم بارعون بطبيعتهم في التعامل مع الهواتف والتطبيقات والمنصات الرقمية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكهم مهارات تقنية حقيقية. وأوضح أن المهارة التقنية تبدأ عندما ينتقل الطالب من السؤال "كيف أستخدم هذا التطبيق؟" إلى سؤال "كيف بُني؟ وما المشكلة التي يحلها؟ وهل أستطيع أن أبني شيئًا أفضل منه؟".

ولفت إلى أهمية تعريف الطلبة منذ المراحل المُبكرة بمفاهيم البرمجة والروبوتات والبيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ولكن بطريقة عملية مرتبطة بالمشكلات والتجربة والمشروعات، وليس بطريقة نظرية تضيف مادة جديدة إلى جدول الطالب دون أن تغير طريقة تفكيره. وأكد أن المطلوب ليس أن يصبح كل طالب مبرمجًا أو مهندسًا، وإنما أن يمتلك ثقافة رقمية تجعله قادرًا على فهم العالم الذي سيعمل ويعيش فيه.

وحول أهمية التعلم القائم على المشروعات، أشار إلى أن هذا الأسلوب يُعد من أكثر الأساليب قدرة على ترسيخ المهارات التقنية، موضحًا أن تكليف الطلبة بتصميم نموذج ذكي لترشيد استهلاك المياه، أو تحليل بيانات بيئية، أو بناء روبوت بسيط، أو ابتكار حل رقمي لخدمة كبار السن، يجعل الطالب يتعلم التقنية إلى جانب العمل ضمن فريق وإدارة الوقت والبحث وتحليل البيانات والتواصل والعرض والفشل والمحاولة من جديد.

وأوضح أن هذه المهارات تحديدًا هي التي يبحث عنها سوق العمل الحديث، مؤكدًا أهمية الانتقال تدريجيًا من مفهوم "ماذا درس الطالب؟" إلى "ماذا يستطيع الطالب أن يفعل بما تعلمه؟".

سوق العمل

وفيما يخص العلاقة بين المؤسسات التعليمية وسوق العمل، أوضح الخالدي أن المدرسة والجامعة لا تستطيعان العمل بمعزلٍ عن السوق، مُبينًا أن التطور التقني أسرع من قدرة المناهج التقليدية على التحديث، وقد تظهر تقنية أو مهنة جديدة بينما يحتاج تحديث مقرر دراسي إلى سنوات.

وأشار إلى أنَّ أهمية بناء شراكة حقيقية بين المؤسسات التعليمية والقطاع التقني وسوق العمل، داعيًا إلى إشراك المهندسين والمبرمجين وخبراء الأمن السيبراني والمتخصصين في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في البيئة التعليمية، ليس فقط كمحاضرين زائرين، وإنما كشركاء في تصميم التجارب والمشروعات والتدريب.

وأضاف أن الطالب يحتاج في المقابل إلى الخروج من حدود الصفوف والقاعات إلى المختبرات والشركات ومراكز الابتكار والمشروعات الحقيقية، مؤكدًا أن الطالب الذي يعمل على مشكلة حقيقية مع مؤسسة حقيقية ويتلقى ملاحظات من متخصصين يكتسب في أسابيع ما قد يصعب ترسيخه عبر أشهر من المحاضرات النظرية.

دور المعلم

وأكد الدكتور صالح الخالدي أن المُعلِّم يُمثل نقطة التحول، وأنه لا يمكن الحديث عن تعليم تقني مُتطوِّر دون الاستثمار فيه. وأوضح أن تزويد المدارس بأفضل الأجهزة والمنصات لا يكفي؛ لأن التقنية وحدها لا تصنع تعليمًا متقدمًا، وإنما المُعلِّم القادر على دمج التقنية في العملية التعليمية هو الذي يصنع الفارق.

وأردف قائلا: "إن تطوير التعليم التقني يجب أن يتزامن مع برامج مستمرة لتطوير مهارات المعلمين وأعضاء الهيئات الأكاديمية، ليس فقط في تشغيل الأدوات، وإنما في إعادة تصميم تجربة التعلم باستخدامها".

وشدد على أن الهدف أن يستخدم المعلم الذكاء الاصطناعي في كيفية توظيفه لجعل الطالب أكثر فضولًا وقدرة على البحث والتحليل والإبداع.

وفي حديثه عن مهارات المستقبل، أوضح الخالدي أنها لا تقتصر على الجوانب التقنية، محذرًا من اختزالها في البرمجة والذكاء الاصطناعي والبيانات فقط. وقال "إن كلما أصبحت التكنولوجيا أكثر قدرة، ازدادت قيمة بعض المهارات الإنسانية، مثل التفكير النقدي والإبداع والقيادة والتواصل والعمل الجماعي والذكاء العاطفي واتخاذ القرار والقدرة على التعلم المستمر، مُبينًا أن هذه المهارات ستصبح أكثر أهمية في بيئة يعمل فيها الإنسان جنبًا إلى جنب مع الأنظمة الذكية".

ويرى الخالدي أن أفضل نموذج للتعليم في المستقبل ليس الذي يختار بين المهارات التقنية والمهارات الإنسانية؛ بل الذي يجمع بينهما بحيث يكون لدينا مهندس يفهم الإنسان، ومدير يفهم البيانات، وطبيب يفهم الذكاء الاصطناعي، ومعلم يفهم التقنية، ورائد أعمال يستطيع تحويل مشكلة مجتمعية إلى فرصة وحل قابل للتوسع.

وعن أبرز التحديات التي تواجه تطوير التعليم التقني، أشار إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في تغيير العقلية التعليمية. وأوضح أنه إذا أُدخلت أحدث التقنيات إلى نموذج تعليمي تقليدي، فستكون النتيجة تعليمًا تقليديًا بأدوات حديثة، مؤكدًا أن التحول الحقيقي يحدث عندما تتغير طريقة التعلم والتقييم.

وأضاف أن ذلك يتطلب مكافأة الطالب على السؤال الجيد كما تتم مكافأته على الإجابة الصحيحة، وجعل التجربة والخطأ جزءًا طبيعيًا من التعلُّم، إضافة إلى إدخال المشروع والابتكار والعمل الجماعي ضمن عملية التقييم، بدلًا من اعتبارها أنشطة إضافية على هامش المنهج.

تطوير التعليم التقني

وحددّ الخالدي خمس أولويات رئيسية، تتمثل في دمج الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية باعتباره أداة للتعلم والبحث والإبداع، مع ترسيخ الاستخدام المسؤول والأخلاقي لهذه التقنيات.

وذكر أنَّ هذه الأولويات تشمل تطوير المناهج بحيث تركز على المهارات الرقمية وتحليل البيانات والبرمجة والأمن السيبراني، إلى جانب تنمية مهارات التفكير والابتكار، وتأهيل المعلمين ليكونوا قادة للتحول الرقمي داخل المؤسسات التعليمية من خلال برامج تدريبية مستمرة على أحدث التقنيات. وأضاف أنَّ من بين الأولويات أيضًا تعزيز التعلم التطبيقي عبر المشاريع العملية وحاضنات الابتكار والشراكات مع القطاع الخاص، بما يربط التعليم باحتياجات سوق العمل، وتهيئة بيئة تعليمية رقمية متكاملة تعتمد على المختبرات الذكية والمنصات الرقمية والواقع الافتراضي والمعزز، لتوفير تجربة تعليمية أكثر تفاعلية وفاعلية.

وأكد الخالدي أن الاستثمار في التعليم التقني في سلطنة عُمان هو استثمار في الإنسان وبناء اقتصاد معرفي قادر على المنافسة عالميًّا. وأشار إلى أن تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040" يتطلّب إعداد خريجين يمتلكون المهارات الرقمية والقدرة على التكيف مع المتغيرات المتسارعة، ليكونوا شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقين له.

وأوضح أن مُعظم الدول ستتمكن خلال السنوات المُقبلة من شراء التكنولوجيا نفسها تقريبًا، بما في ذلك الخوادم والروبوتات ومنصات الذكاء الاصطناعي والبنية الأساسية الرقمية، إلّا أن هناك عنصرًا لا يمكن شراؤه بالسهولة نفسها، وهو الإنسان القادر على توظيف هذه التكنولوجيا وصناعة قيمة منها.

وأكد أنَّ هذه النقطة تمثل الميزة التنافسية الحقيقية للدول، لافتًا إلى أنَّ الاستثمار في التعليم التقني بالنسبة إلى سلطنة عُمان، مع التوجه نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والصناعات التقنية، لا يمثل ملفًا تعليميًا فقط، وإنما استثمار اقتصادي وتنموي طويل المدى في رأس المال البشري العُماني.

وفي ختام حديثه، قال الخالدي إن الطالب الذي يجلس اليوم على مقعد المدرسة قد يعمل بعد سنوات في وظيفة لم يظهر مسماها حتى الآن، وقد يؤسس شركة تعتمد على تقنية لم تصل بعد إلى مرحلة النضج، وقد ينافس بمهاراته في سوق عالمي لا تحده الجغرافيا. وأكد أنَّ المسؤولية اليوم تتمثل في منح الطلبة القدرة على التعلم والتكيّف وصناعة فرص الغد. وأضاف "أن السؤال الذي يجب أن يشغل بال الجميع لم يعد "ما التكنولوجيا التي يجب أن نعلّمها لأبنائنا؟ وإنما السؤال الأعمق هو: "كيف نبني جيلًا لا ينتظر المستقبل ليتكيف معه، بل يمتلك المعرفة والمهارة والثقة ليشارك في صناعته؟" ومنا هنا تكمن الرسالة الحقيقية للتعليم التقني".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z